الثلاثاء، 25 أغسطس 2009

أوراقٌ إسْبَانيّة نزار قباني



(1)
الجسر
إسبانيا..
جسرٌ من البكاءْ..
يمتدُّ بين الأرضِ والسماءْ..
(2)
سوناتا
على صدر قيثارةٍ باكيَهْ
تموتُ..
وتولدُ إسبانيَهْ..
(3)
الفارسُ والوردة
إسبانيا..
مراوحٌ هفهافةٌ
تمشّطُ الهواءْ..
وأعينٌ سوداءُ..
لا بدءٌ لها.. ولا انتهاءْ
قُبّعةٌ تُرمى أمام شرفة الحبيبَه.
ووردةٌ رطيبَه..
تطيرُ من مقصورة النساءْ
تحملُ في أوراقها الصلاةَ والدعاءْ.
لفارسٍ من الجنوب.. أحمرِ الرداءْ.
يداعبُ الفناءْ..
وكلُّ ما يملُكهُ..
سيفٌ.. كبرياءْ..
(4)
بيتُ العصافير
بإشبيليهْ
تعلِّق كلُّ جميلَهْ
على شَعْرها وردةً قانيَهْ
تحطُّ عليها مساءً
جميعُ عصافير إسبانيَهْ
(5)
مراوحُ الاسبانيات
إذا لَمْلَمَ الصيفُ أشياءَهُ
ومات الربيعُ على الرابيَهْ
تفتّح ألفُ ربيعٍ جديدٍ
على ألف مروحةٍ زاهيَه..
(6)
اللؤلؤ الأسود
شوارعُ غرناطة في الظهيرَهْ
حقولٌ من اللؤلؤ الأسودِ..
فمِنْ مقعدي..
أرى وطني في العيون الكبيرَهْ
أرى مئذناتِ دمشقَ
مُصوَّرةً..
فوقَ كلِّ ضفيرَهْ
(7)
دونيا ماريا
تُمزِّقني.. دونيا ماريّهْ
بعَيْنينِ أوسعَ من باديَهْ
ووجهٍ عليه شموسُ بلادي
وروعةُ آفاقها الصاحيَهْ..
فأذكرُ منزلنا في دمشق
وَلثْغةَ بِرْكته الصافيَهْ
ورقْصَ الظلال بقاعاتِه
وأشجارَ ليمونه العاليَهْ
وباباً قديماً.. نقشتُ عليه
بخطّ رديء.. حكاياتيَهْ
بعينيكِ.. يا دونيا ماريَهْ
أرى وطني مرةً ثانيَهْ...
(8)
القُرط الطموح
على أُذُنيْ هذه الغانيَهْ
تأرجح قُرْطٌ رفيعْ
كما يضحكُ الضوءُ في الآنيَهْ
يمدُّ يديهِ.. ولا يستطيعْ
وصولاً.. إلى الكتِفِ العاريَهْ..
(9)
الثور
برغْمِ النزيف الذي يعتريهِ..
برغمِ السهام الدفينةِ فيهِ..
يظلُّ القتيلُ على ما به..
أجلَّ .. وأكبرَ .. من قاتليهِ..
(10)
نزيفُ الأنبياء..
كُوريدَا...
كُوريدَا...
ويندفع الثورُ نحو الرداءْ
قوياً.. عنيداً..
ويسقُطُ في ساحة الملعب..
كأيِّ شهيدٍ..
كأيِّ نبي..
ولا يتخلى عن الكبرياءْ...
(11)
بقايا العرب
فْلامنكُو..
فْلامنكُو..
وتستيقظُ الحانةُ الغافيَهْ
على قهقهاتِ صنوج الخَشَبْ
وبحّةِ صوتٍ حزينِ..
يسيلُ كنافورةٍ من ذهبْ
وأجلسُ في زاويَهْ
ألُمُّ دموعي..
ألُمُّ بقايا العربْ...

تريدين..نزار قباني


تُريدينَ مثلَ جميعِ النساءِ..
كنوزَ سليمانَ..
مثلَ جميع النساءِ
وأحواض عطرٍ
وأمشاط عاجٍ
وسرْبَ إماءِ
تُريدينَ مَوْلى..
يُسبّح باسمك كالبَبَغاءِ
يقولُ: (أحبّكِ) عند الصباحِ
يقولُ: (أحبّكِ) عند المساءِ
ويغسلُ بالخمر رجليْكِ..
يا شهرزادَ النساءِ..
تريدينَ مثل جميع النساءِ
تريدينَ مني نجومَ السماءِ
وأطباقَ مَنٍّ..
وأطباقَ سلوى..
وخُفّينِ من زَهر الكستناءِ..
تريدينَ..
من شَنغَهَاي الحريرَ..
ومن أصفهانَ
جلودَ الفراءِ..
ولستُ نبياً من الأنبياءِ..
لألقي عصايَ..
فينشقّ بحرٌ..
ويولدُ حِجَارته من ضياءِ..
تريدينَ مثلَ جميع النساءِ..
مراوحَ ريشٍ
وكُحلاً..
وعطرا..
تريدينَ عبداً شديدَ الغباءِ
ليقرأ عند سريركِ شعرا.
تريدينَ..
في لحظتينِ اثْنَتيْنِ
بَلاطَ الرشيدِ
وإيوانَ كِسرى..
وقافلةً من عبيد وأسرى
تجرّ ذيولكِ..
يا كلْيوبترا...
ولستُ أنا..
سندبادَ الفضاءِ..
لأحضر بابلَ بين يديكِ
وأهرامَ مصرٍ..
وإيوانَ كسْرى
وليس لديّ سراجُ علاءِ
لآتيكِ بالشمسِ فوقَ إناءِ..
كما تتمنى.. جميعُ النساءِ..
وبعدُ..
أيا شهرزادَ النساءِ..
أنا عاملٌ من دمشقَ .. فقيرٌ
رغيفي أغمّسه بالدماءِ..
شعوري بسيط
وأجري بسيطٌ
وأؤمنُ بالخبز والأولياءِ..
وأحلم بالحبّ كالآخرينْ..
وزوجٍ تخيطُ ثقوبَ ردائي..
وطفلٍ ينامُ على ركبتيَّ
كعصفور حقلٍ
كزهرةِ ماءِ..
أفكر بالحب كالآخرينْ..
لأن المحبة مثل الهواءِ..
لأن المحبة شمسٌ تضيء..
على الحالمينَ وراء القصورِ..
على الكادحينَ..
على الأشقياءِ..
ومن يملكونَ سريرَ حريرٍ
ومن يملكونَ سريرَ بُكاءِ..
تريدينَ مثلَ جميع النساءِ..
تريدينَ ثامنةَ المعجزاتِ..
وليس لديَّ..
سوى كبريائي..

حصَان _نزار قباني


حاذري أن تقعي بين يديّا
إنَّ سُمّي كلّه في شفتيّا
إنني أرفضُ أن أبقى هُنا
رِجْلَ كرسي.. وتمثالاً غبياً..
حاذري..أن ترفعي السَوْطَ.. ألمْ
تركبي قَبْلُ.. حصاناً عربيّا..
نَخْزَةٌ منكِ على خاصرتي
تجعلُ الحقدَ بصدري بربريا..
أنا شمشونُ .. اذا أوجعتني
قلتُ: يا ربي، عليها.. وعليّا..

حوار مع امرأة على مشارف الأربعين... نزار قباني


1
ما الذي أستطيع أن أفعلهُ من أَجْلِكْ؟
أيّتها السيّدة التي بيني وبينها..
أسرارٌ غيرُ قابلةٍ للنشرْ..
وذنوبٌ صغيرةٌ غيرُ قابلةٍ للغُفرانْ..
إنني أفهَمُ جيّداً خلفيّاتِ حُزْنكْ..
لكنني لا أستطيعُ أن أمنعَ أيَّ انقلابٍ ينفذهُ نَيْسَانْ..
ضدّ نهديْكِ المتمسِّكينِ بالسُلْطة..
إلى يوم القيامَه..
2
صحيحٌ أنَّ التاريخَ يعيد نفسَه..
ولكنَّ الأنوثةَ – يا سيدتي- لا تعيدُ نَفْسَها أبداً..
إنها شرارةٌ لا تقبلُ النسْخَ والتكرارْ..
هذا ما كنتُ أشرحهُ لكِ، وأنتِ في السادسةَ عشرَهْ..
يومَ كانت الشمسُ لا تغيبُ عن ممتلكاتِكْ..
وجيوشُكِ تملأ البحرَ والبرَّ..
وجَسَدكِ الياسمينيُّ.. يأمُر .. وينهى ..
ويقول للشيء : كُنْ .. فيكون....
3
كيف أستطيعُ أن أُساعدَكِ؟
أيّتها المرْأةُ التي لم تساعد نَفْسَها..
ولم تَحْفَظْ خطَّ تراجُعها..
أيّتها الطاغية الصغيرهْ..
التي سحقتْ كلَّ معارضيها..
وأعدَمت كَهَنَتَها وَعَرَّافيها..
وأغلقت الصُحُفَ.. وسحقَتْ الحرّياتْ
ورفَعَت تماثيلها في الساحات العامَّهْ..
ووضعتْ صُوَرَها على طوابع البريدْ..
هل تتذكَّرِينْ؟
كمْ كنتِ مجنونةً في السادسةَ عَشْرَهْ
وكيف كنتِ تتحدَّثينَ.. كملوك فَرَنْسا..
عن حقّكِ الالهي الذي لا يُنَاقَشْ..
في قَتْل كلِّ رَجُلٍ..
يعشقُ امرأةً غيرَكِ من نساء المملكَهْ..
وقَتْلِ كلِّ امرأةٍ..
تخرجُ مع رجلٍ يعجبكِ من رجال المملكَهْ...
4
ما الذي أستطيع أن أفعلَهْ؟
لأخفّفَ عنكِ وَجَع الهزيمَهْْ
ومرارةَ السقوط عن العرشْْ..
أيّتها السلطانةُ التي فقدتْ سُلْطانَها
ما الذي أستطيعُ أن أفعلَهْ؟.
لأحرِّرَكِ من مُرَكَّباتِ العظمة الفارغَهْ..
وأعيد إلى عينيكِ السوداويْنِ لونَهما الطبيعي..
وإلى نهديْكِ الأحمقينْ..
شَعْبِيّتَهما الضائعَهْ!!
ما الذي أستطيعُُ أن أفعلْ؟
لأعيدَ جَسَدَكِ حليبيّاً كما كانْ
ونهدَكِ دائريّاً كما كانْ
وعِشقي لكِ.. بدائيَّاً.. همجيّاً.. إنتحاريَّاً...
كما كانْ...
في سالف الزمانْ!!

قل لي_سعاد الصباح

قل لي
هل أحببت امرأة قبلي ؟
تفقد , حين تكون بحالة حب
نور العقل ..؟
قل لي . قل لي
كيف تصير المرأة حين تحب
شجيرة فل ؟
قل لي
كيف يكون الشبه الصارخ
بين الأصل , وبين الظل
بين العين , وبين الكحل ؟
كيف تصير امرأة عن
عاشقها
نسخة حب .. طبق الأصل ؟..
قل لي لغة ...
لم تسمعها امرأة غيري ...
خذني .. نحو جزيرة حب ..
لم يسكنها أحد غيري ..
خذني نحو كلام خلف
حدود الشعر
قل لي : إني الحب الأول
قل لي : إني الوعد الأول
قطر ماء حنانك في أذنيا
إزرع قمراً في عينيا
إن عبارة حب منك ..
تساوي الدنيا ...
يا من يسكن مثل الوردة في
أعماقي
يا من يلعب مثل الطفل على
أحداقي
أنت غريب في أطوارك مثل
الطفل
أنت عنيف مثل الموج,
وأنت لطيف مثل الرمل ..
لا تتضايق من أشواقي
كرر . كرر اسمي دوماً
في ساعات الفجر .. وفي
ساعات الليل قد لا أتقن فن
الصمت .. فسامح جهلي ..
فتش . فتش في أرجاء
الأرض فما في العالم أنثى
مثلي...
أنت حبيبي . لا تتركني
أشرب صبري مثل النخل ..
إني أنت ..
فكيف أفرق ..
بين الأصل ,
وبين الظل ؟

كان بوسعي .._سعاد الصباح

قد كان بُوسعي،
- مثل جميع نساء الأرضِ
مغازلةُ المرآة
قد كان بوسعي،
أن أحتسي القهوة في دفء فراشي
وأُمارس ثرثرتي في الهاتف
دون شعورٍ بالأيّام.. وبالساعاتْ
قد كان بوسعي أن أتجمّل..
أن أتكحّل
أن أتدلّل..
أن أتحمّص تحت الشمس
وأرقُص فوق الموج ككلّ الحوريّاتْ
قد كان بوسعي
أن أتشكّل بالفيروز، وبالياقوت،
وأن أتثنّى كالملكات
قد كان بوسعي أن لا أفعل شيئاً
أن لا أقرأ شيئاً
أن لا أكتب شيئاً
أن أتفرّغ للأضواء.. وللأزياء.. وللرّحلاتْ..
قد كان بوسعي
أن لا أرفض
أن لا أغضب
أن لا أصرخ في وجه المأساة
قد كان بوسعي،
أن أبتلع الدّمع
وأن أبتلع القمع
وأن أتأقلم مثل جميع المسجونات
قد كان بوسعي
أن أتجنّب أسئلة التّاريخ
وأهرب من تعذيب الذّات
قد كان بوسعي
أن أتجنّب آهة كلّ المحزونين
وصرخة كلّ المسحوقين
وثورة آلاف الأمواتْ ..
لكنّي خنتُ قوانين الأنثى
واخترتُ ..مواجهةَ الكلماتْ

تحت المطر الرمادي ! _سعاد الصباح


1 -
على هذه الكُرَةِ الأرضية المُهتزّهْ
أنت نُقْطَةُ ارْتِكازي
وتحت هذا المَطَر الكبريتيِّ الأسودْ
وفي هذه المُدُنِ التي لا تقرأُ... ولا تكتبْ
أنت ثقافتي...
- 2 -
الوطنُ يَتفتَّتُ تحت أقدامي
كزجاجٍ مكسُورْ
والتاريخُ عَرَبةٌ مات سائقُها
وذاكرتي ملأى بعشرات الثُقُوبْ...
فلا الشوارعُ لها ذاتُ الأسماءْ
ولا صناديقُ البريد احتفظتْ بلونها الأحمرْ
ولا الحمائمُ تَستوطن ذات العناوينْ...
- 3 -
لم أعُدْ قادرةً على الحُبِّ... ولا على الكراهيَهْ
ولا على الصَمْتِ, ولا على الصُرَاخْ
ولا على النِسْيان, ولا على التَذَكُّرْ
لم أعُدْ قادرةً على مُمَارسة أُنوثتي...
فأشواقي ذهبتْ في إجازةٍ طويلَهْ
وقلبي... عُلْبَةُ سردينٍ
انتهت مُدَّةُ استعمالها...
- 4 -
أحاول أن أرسُمَ بحراً... قزحيَّ الألوانْ
فأفْشَلْ...
وأحاولُ أن أكتشفَ جزيرةً
لا تُشْنَقُ أشجارُها بتُهْمةِ العَمالهْ
ولا تُعتقلُ فراشَاتُها بتُهمَة كتابة الشِعْر...
فأفْشَلْ...
وأحاول أن أرسُمَ خيولاً
تركضُ في براري الحريّهْ...
فأفْشَلْ...
وأحاولُ أن أرسمَ مَرْكَباً
يأخُذُني معك إلى آخر الدنيا...
فأفْشَلْ...
وأحاول أن أخترعَ وطناً
لا يجلدُني خمسين جَلْدةً... لأنني أحبُّك
فأفْشَلْ...
- 5 -
أحاولُ, يا صديقي
أن أكونَ امرأةً...
بكل المقاييس, والمواصفات
فلا أجدُ محكمةً تصغي إلى أقوالي...
ولا قاضِياً يقبَلُ شَهَادتي...
- 6 -
ماذا أفعلُ في مقاهي العالم وحدي?
أمْضَغُ جريدتي?
أمْضَغُ فجيعتي?
أمْضَعُ خيطانَ ذاكرتي?
ماذا أفعل بالفناجينِ التي تأتي... وتَروُحْ?
وبالحُزْنِ الذي يأتي... ولا يروُحْ?
وبالضَجَرِ الذي يطلعُ كلّ رُبْعِ ساعهْ
حيناً من ميناءِ ساعتي
وحيناً من دفترِ عناويني
وحيناً من حقيبةِ يدي...?
- 7 -
ماذا أفعلُ بتُراثِكَ العاطفيّ
المَزْرُوعِ في دمي كأشجارِ الياسمين?
ماذا أفعلُ بصوتِكَ الذي ينقُرُ كالديكِ...
وجهَ شراشفي?
ماذا أفعلُ برائحتِكَ
التي تسبح كأسماك القِرْشِ في مياه ذاكرتي
ماذا أفعلُ بَبَصماتِ ذوقِكَ... على أثاث غرفتي
وألوان ثيابي...
وتفاصيلِ حياتي?...
ماذا أفعلُ بفصيلةِ دمي?...
يا أيُّها المسافرُ ليلاً ونهاراً
في كُريَّاتِ دمي...
- 8 -
كيفَ أسْتحضركَ
يا صديق الأزمنة الوَرْديّهْ?
ووجهي مُغَطَّى بالفَحْم
وشعوري مُغَطَّى بالفحْم
ليست فلسطين وحدَها هي التي تحترقْ
ولكنَّ الشوفينيَّهْ
والساديّهْ
والغوغائيّة السياسيَّهْ
وعشرات الأقنعةِ, والملابس التنكريَّهْ...
تحترق أيضاً
وليست الطيورُ, والأسماكُ وحدَها
هي التي تختنقْ
ولكنَّ الإنسانَ العربيَّ هو الذي يختنقْ
داخل (الهولوكوستِ) الكبيرْ...
- 9 -
يا أيها الصديق الذي أحتاجُ الى ذراعَيْهِ في وقت ضَعْفي
وإلى ثباته في وقت انهياري
كل ما حولي عروضُ مسرحيَّهْ
والأبطالُ الذين طالما صفَّقتُ لهم
لم يكونوا أكثر من ظاهرةٍ صَوْتيَّهْ...
ونُمُورٍ من وَرَقْ...
- 10 -
يا سيِّدي يا الذي دوماً يعيدُ ترتيبَ أيَّامي
وتشكيلَ أنوثتي...
أريد أن أتكئ على حنان كَلِماتِكْ
حتى لا أبقى في العَرَاءْ
وأريدُ أن أدخلَ في شرايينِ يَدَيكْ
حتى لا أظلَّ في المنفى...

أيتها السيدة التي استقالت من أنوثتها.. نزار قباني

1
أيّتها السيّدةُ التي استقالتْ من أنوثتها..
ومن أمشاطها ، ومكاحلها ، وأساور يديْها .
كان اللهُ في عونِكْ ..
أيّتها السيّدة التي استقالتْ من رنين البيانُو..
ورنينِ النبيذِ الأحمرِ.. ورنينِ شَهَواتي..
كان اللهُ في عَوْني..
أيّتها السيّدة التي استقالتْ من نهديْها..
ووضعْتهما كتُفَّاحتَيْن في ثَلاجَهْ..
كان اللهُ في عون المرايا..
2
أيّتها الرصينةُ كموظّفةٍ في بنكٍ عربيٍّ مؤمَّمْ..
إبتسمي قليلاً..
ففمُكِ لا بأسَ به إذا رششتِهِ بماء الفَرَحْ..
وعيناكِ لا بأسَ بهما..
إذا كَحَّلتِهِما بقليلٍ من الحنانْ..
إكسري الزجاجَ الذي يفصل بين صوتي وغاباتك الشاسعَهْ
بين أصابعي.. وأقاليمكِ الاستوائَّيهْ..
بين حصاني.. ومزارعكِ الطازجةِ العُشْبْ...
3
أيّتها المثقَّفةُ إلى درجة التجلُّدْ..
الأكاديميَّةُ إلى درجة القشعريرَهْ..
أيَّتها المحاصَرَهْ..
بين جدران الكَلماتِ المأثورَهْ..
وتعاليمِ حُكَماءِ الهندْ..
ولُزُوميّاتِ ما لا يلزمْ..
أنتِ مأخوذَةٌ بأبي العتاهِيَهْ
وأنا مأخوذٌ بالشُعَراءِ الصعاليكْ..
أنتِ مهتمَّةٌ بالمعتزلَهْ..
وأنا مهتمٌّ بأبي نُوَاسْ
أنتِ مُعْجَبَةٌ برقص (البَالِيهْ)
وأنا مُعْجَبٌ برقْص الدراويشْ..
أنتِ تسكنينَ مراكبَ الوَرَقْ..
وأنا أسكُنُ البحرْ..
أنتِ تسكنينَ الطمأنينَهْ..
وأنا أسكُن الإنتحارْ..
4
أيّتها السيّدةُ المضطجعةُ على رفوف الكُتُبْ..
أيّتها الضائعةُ في غبار النُصُوصْ...
إنَّ دمعي أنقى من حِبْر مخطوطاتِك...
وقراءةَ فمي... أهمُّ من جميع قراءاتِكْ...
فلماذا لا تتثقّفينَ على يدي؟
فأنا الثقافة.. أنا الثقافة.. أنا الثقافهْ..
أنا الذي أستطيعُ أن أحوّل نهدَكِ إلى حمامَهْ
وفخذَيْكِ إلى سبيكتيْ ذَهَبْ..
وفَمَكِ إلى عُشٍ للعصافيرْ..
أنا الذي أستطيع أن أجعلكِ..
مَلِكَةً .. أو جَاريَهْ..
سَمَكَةً .. أو غزالَهْ..
أو قَمَراً في باديَهْ...
5
أيّتها السيّدةُ المستنكِفةُ عن السَفَر الليليّْ..
أيّتها الخائفةُ من رائحة الرَجُلْ..
ورائحةِ المراكبْ..
أيّتها السمكةُ التي لا تريد أن تسبَحْ..
ولا تريدُ أن تغرقْ..
لماذا لا تَتَتَلْمَذِين على يدي؟..
إنني أعرف كلَّ شيء عن النساء.. والنباتات المتسلّقَهْ..
والحيواناتِ الأليفةِ.. والحيوانات المفترسَهْ...
لماذا لا تتتلمذينَ على يدي؟
إنني أعرفُ كلَّ شيءٍ عن العناصر الأربعَهْ..
أعرف كلَّ شيء عن كيمياء الأرضِ..
وكيمياء الإنسانْ..
أعرفُ التفَّاحَةَ كيف تستديرْ..
وغابات القَصَب كيف تتشابَكْ
والنِمْرَ كيفَ يقفزْ..
ونَهْدَ المرأة كيف يبحث عن فريستِهْ..
6
أيّتها السيّدةُ التي استقالتْ من كُتُب الشعرْ..
ودخلتْ في جدول الحسابْ..
واستقالتْ من الورد.. والماء.. والعصافيرْ..
ودخلتْ في اليباسْ..
لماذا لا تستعملينَ أعشابي الطبيعيَّهْ؟.
لماذا لا تَثقينَ بمعارفي؟..
فأنا المعرفةُ..
أنا المعرفَهْ..
هل ترينَ هذه العروقَ المنفجرةَ على وجه يدي؟.
هل ترينَ هذه الشُقوقَ المفتوحةَ على ضفاف فمي؟
هل تشمّين رائحةَ الكبريتِ..
المتصاعدةَ من شراييني؟
هذه هي شهادات هَمَجيّتي.. وجُنُوني...
وهي كلّها من مرتبة الشَرَف.. كما تلاحظينْ
فهل ثَمَّةَ وظيفةٌ شاغرهْ؟...
لحدائقيٍّ.. يطلبُ عملاً في بساتين عينيْكِ؟..
7
أيّتها السيّدةُ التي تتعاملُ معي..
بميزان صَيْدليّْ..
وتلامسُ يدي، بحياد مُمرّضَهْ..
إنني لا أتحمّلُ ثيابَكِ البيضاءْ..
وأسنانَكِ البيضاءْ..
وابتسامَتَكِ البيضاءْ..
لا أتحمَّلْ كلَّ هذا التنظيمْ..
في التعبير عن غرائزي..
لا أتحمَّلُ كلَّ هذا المناخ المعقَّمْ..
والشراشِفِ المعقَّمَه..
والعواطِف المعقَّمَهْ..
لا أتحملُ أن أقف ساعاتٍ في طابور الفلاسفَهْ
لأحصَلَ منكِ على قُبْلَهْ..
كلُّ هذه الكُتُب التي تحيط بكِ.. أسماكٌ مجلَّدَهْ..
كل هذه القوارير الكبيرة والصغيرة لا تُخفِضُ حرارتي..
فارميها جميعاً.. والتجئي إلى أعشاب صدري..
كَخَرُوفٍ أبيضْ..
8
أيّتها السيّدةُ القاسيةُ كناظرة مدرسةٍ داخليَّهْ..
إعفيني من إرهابكِ الثقافيّْ..
إن الطفلَ في داخلي، يريدُ أن يلعبَ معكِ..
فلماذا لَمْلَمْتِ كُرَاتِكِ وانسحبتِ؟
قد لا أكونُ عادِلاً في لَعِبي معكِ..
ولكنَّ أطفالَ العالم كلّهم مثلي.. لا يعرفونَ العدالهْ..
قد تكون سمعتي سيئة في الشارع الذي تسكنينَهْ..
ولكنني أعِدُكِ لو قبلتِ أن تلعبي معي مرةً ثانيَهْ..
أنْ أجعلكِ تربحينْ..
فاربطي شعرَكِ بشريطٍ أزرقْ..
واضربي الكُرَةَ أنتِ..
إضربي كُرَتَينِ إذا شئتِ..
هاجمي أنتِ.. واقتحمي أنتِ..
واخترقي جسدي أنتِ..
فليسَ مُهِمّاً أن أربح أنا..
وليسَ مُهِمّاً ما ستكتُبهُ الصحافةُ عنّي..
المهمُّ أن تعرفَ الصحافَهْ..
أن الإمبرياليّةَ قد تكونُ امرأَهْ.......

صورة خصوصية جداً من أرشيف السيدة م_نزار قباني

1
إنّي تَعِبْتُ من التفاصيل الصغيرَهْ..
ومن الخُطُوط المستقيمةِ.. والخطوطِ المستديرَهْ...
وتَعِبْتُ من هذا النفير العسكريِّ
إلى مطَارَحَة الغرامْ
النَهْدُ.. مثلُ القائد العربيِّ يأمُرُني:
تَقَدَّمْ للأمامْ..
والفُلْلُلُ الهنديُّ في الشفتينِ يهتُفُ بي:
تقدَّمْ للأمامْ..
والأحمرُ العِنَبِيُّ فوق أصابع القَدَميْنِ.. يصرخُ بي:
تقدَّمْ للأمامْ..
إنّي رفعتُ الرايَةَ البيضاءِ ، سيّدتي ، بلا قيدٍ ولا شرطٍ،
ومفتاحُ المدينة تحت أمرِكِ..
فادْخُليها في سَلامْ..
جَسَدَي المدينةُ ..
فادخلي من أيِّ بابٍ شئتِ أيَّتُها الأميرَهْ..
وتصرّفي بجميع ما فيها .. ومَنْ فيها..
وخَلِّيني أَنَامْ..
2
كيف أُميِّزُ الألوانَ؟
وتضخّمُ الإحساسَ بالأشياءِ..
3
مايا تُغنّي – وهي تحت الدُوشِ- أغنيةً من اليونان رائعةً..
وتضحكُ دونما سببٍ..
وترضى دونما سببٍ
مايا تناديني..
لأُعطيها مناشفَها..
وأُعطيَها خواتمَها الملوَّنةَ المثيرَهْ
وأنّها ما قاربتْ أحداً سوايا...
وأنا أصدّقُ كلَّ ما قالَ النبيذُ..
وكلَّ ما قَالَتْهُ مايا..
4
مايا على (المُوكِيتْ ) حافيةٌ..
وتطلبُ أن أساعدَها على ربط الضفيرَهْ
وأنا أواجهُ ظَهْرَها العاري..
طفلٍ ضائعٍ ما بين آلاف الهدايا..
5
والبحرُ من ذَهَبٍ .. ومن زَغَبٍ..
وحَوْلَ عَمُودِها الفَقَريِّ أكثرُ من جزيرَهْ
من يا تُرى اخترعَ القصيدةَ والنبيذَ وخَصْرَ مايا...
مايا لها إبْطانِ يخترعانِ عِطْرَهُما..
في انحناءات الشُعُورِ..
وأرسو كلَّ ثانيةٍ على أرضٍ جديدَهْ..
مايا تقولُ بأنني الذَكَرُ الوحيدُ..
وإنها الأُنثى الوحيدَهْ..
وأنا أصدّق كلَّ ما قال النبيذُ....
وكلَّ ما قالتهُ مايا...
مايا لها نَهْدَانِ شَيْطَانَانِ هَمُّهُمَا مخالفةُ الوصايا..
وماكرةٌ .. وطاهرةٌ..
وتحلو حين ترتكبُ الخَطَايا...
الحرُّ في تَمُّوزَ يجلدني على ظَهْري..
فكيف يمارسُ الانسان فنَّ الحبّ في عِزِّ الظهيرَهْ؟
والموتَ في عِزِّ الظهيرَهْ.؟
7
وتروي لي النوادرَ والحكايا..
وحاضرةً.. وغائبةً..
وواضحةً.. وغامضةً..
فَتَخْذِلُني يَدَايَا..
مايا مُبَلَّلَةٌ وطازَجةٌ كتُفَّاحِ الجبالِ..
وعند تَقَاطُع الخُلْجَان قد سَالَتْ دِمايا..
مايا تكرِّرُ أنها ما لامستْ أحداً سوايا..
وأنا أصدِّق كلَّ ما قالَ النبيذُ..
8
مايا تفتّش عن فريستها كأسماكِ البحارْ..
9
هذي شواطيءُ حضْرَمَوْتَ..
وبعدَها.. تأتي طريقُ الهِنْدِ..
إنَّ مراكبي دَاخَتْ..
وبين الطُحْلُب البحريِّ والمَرْجَانِ..
تَنْفَتِحُ احتمالاتٌ كثيرَهْ..
ماذا اعتراني؟
مايا تُناديني..
والتوابلُ..
والبَهَارْ..
هذا النبيذُ أساءَ لي جدّاً...
فَمَتى سأتّخذُ القرارْ.؟
مايا تُغنّي من مكانٍ ما..
ولا أدري على التحديد أينَ مكانُ مايا..
كانَتْ وراءَ سِتَارة الحمَّام ساطعةً كلؤلؤةٍ..
وحوَّلَها النبيذُ إلى شظايا...
11
مايا تقولُ بأنها امرأتي..
ومالكتي..
وتحلفُ أنّها ما ضاجعتْ أحداً سوايا..
ورُبْعَ ما قالتْه مايا..
والتوابلُ..
والبَهَارْ..
هذا النبيذُ أساءَ لي جدّاً...
فَمَتى سأتّخذُ القرارْ.؟
مايا تُغنّي من مكانٍ ما..
ولا أدري على التحديد أينَ مكانُ مايا..
كانَتْ وراءَ سِتَارة الحمَّام ساطعةً كلؤلؤةٍ..
وحوَّلَها النبيذُ إلى شظايا...
11
مايا تقولُ بأنها امرأتي..
ومالكتي..
ومملكتي..
وتحلفُ أنّها ما ضاجعتْ أحداً سوايا..
وأنا أصدِقُ كلَّ ما قالَ النبيذُ..
ورُبْعَ ما قالتْه مايا..
والتوابلُ..
والبَهَارْ..
هذا النبيذُ أساءَ لي جدّاً...
وأَنْساني بداياتِ الحوارْ..
فَمَتى سأتّخذُ القرارْ.؟
10
مايا تُغنّي من مكانٍ ما..
ولا أدري على التحديد أينَ مكانُ مايا..
كانَتْ وراءَ سِتَارة الحمَّام ساطعةً كلؤلؤةٍ..
وحوَّلَها النبيذُ إلى شظايا...
11
مايا تقولُ بأنها امرأتي..
ومالكتي..
ومملكتي..
وتحلفُ أنّها ما ضاجعتْ أحداً سوايا..
وأنا أصدِقُ كلَّ ما قالَ النبيذُ..
ورُبْعَ ما قالتْه مايا..

إلى سيدة تصطنع الهدوء _ نزار قباني

خُذي وَقْتَكِ، يا سيدتي العزيزَهْ
فلا أحدَ يُرغمُكِ على الإدلاء باعترافاتٍ كاذبَهْ
ولا أحدَ يُريدُ منكِ أن تفعلي الحبَّ..
تحت تأثير الخمرة.. أو المُخدِّرْ.
كما لو كنتِ تخلعينَ أحدَ أضراسِكْ..
لستِ مُضطرةً للتَبَرُّع بنِصْفِ فَمِكْ..
أو نصفِ يدِكْ..
فلا الشفاهُ قابلةٌ للقِسْمَهْ..
ولا الأنوثةُ قابلةٌ للقِسْمَهْ..
هذا هو الموقفُ يا سيّدتي..
فلا تخاطبيني وأنتِ مُضْطَجعةٌ على سريركِ الملكيّْ
فآخرُ اهتماماتي.. سَنْدُ خاصِرَةِ المَلِكاتْ..
وقراءةُ شعري..
في مجالسِ الملكاتْ..
2
خُذِي الوقْتَ الذي تستغرقُهُ اللؤلؤةُ لتتشكَّلْ.
والسُنُونوَّةُ لتصنعَ بجناحيها صيفاً..
خُذِي الوقْتَ الذي يستغرقُهُ النهدْ..
ليصبحَ حصاناً أبيضْ..
خذي الأزْمِنَةَ التي ذَهَبَتْ..
والأزْمِنَةَ التي سوف تأتي..
فالمسافةُ طويلَهْ..
بين آخر النبيذ.. وأوَّلِ الكِتابَهْ
وأنا لستُ مستعجلاً عليكِ..
أو على الشِّعْرْ..
فالعيونُ الجميلةُ غير قابلةٍ للاغتصابْ..
والكلماتُ الجميلةُ غيرُ قابلةٍ للاغتصابْ..
والذين لهمْ خبرةٌ بشؤون البحرْ..
يعرفونَ أنَّ السُفُنَ الذكيّةَ لا تستعجلُ الوصول..
وان السواحلَ هي شيخوخةُ المراكبْ..
3
خُذِي وَقْتَكِ..
أيّتُها السيّدةُ التي تصطنعُ الهدوءْ
إنني لا أُطالبُكِ بارتجالِ العواطفْ..
فلا أحدَ يستطيع تفجيرَ ماء الينابيعْ
ولا أحدَ يستطيع رَشْوَةَ البَرق والرعدْ..
ولا أحدَ يستطيعُ إكراهَ قصيدةٍ
على النوم مع شاعرٍ لا تُريدُهْ..
4
خُذي وقْتَكِ.. أيّتها الهوائيَّةُ الأطوارْ..
يا امرأةَ التحوُّلات، والطقْسِ الذي لا يستقِرْ
أيتها المسافرةُ بين القُطبِ.. وخَطِّ الإستواءْ
بين انفجارات الشِعْر.. ورَمَادِ الكلام اليوميّْ
خُذي وَقْتَكِ..
خُذي وَقْتَكِ..
إن نارَ الحطب لا تزال في أوّلها..
ونارَ القصيدة لا تزال في أوّلِها..
وأنا لستُ مستعجلاً على انشقاق البحرْ..
وذوبان الثلوج.. على مرتفعات نهديْكْ..
إنني لا أطالبُكِ بإحراق سُفُنِكْ..
والتخلّي عن مملكتك.. وحاشيتكْ.. وامتيازاتِك الطَبَقيَّهْ..
لا أطالبُكِ بأن تركبي معي فَرَسَ الجنونْ..
فالجنونُ هو موهبةُ الفقراء وحدَهمْ..
والشعراء وحْدَهم..
وأنتِ تريدينَ أن تحتفظي بتاج الملِكاتْ..
لا بتاج الكلماتْ..
أنتِ امرأةُ العقل الذي يحسب حساباً لكلّ شيءْ
وأنا رجُلُ الشِعْر الذي لا يُقيم حساباً لأيِّ شيءْ..

تكتبين الشعر.. وأوقع أنا.._نزار قباني


1
ليس لي القدرةُ على تغييرك
أو على تفسيركْ..
لا تُصدّقي أنَّ رجلاً يمكنه تغييرُ امرأهْ..
وباطلةٌ دعاوى كلِّ الرجال الذين يتوهّّمونْ،
أنهمْ صنعوا المرأةَ من أَحَد أضلاعِهِمْ..
المرأةُ لا تخرجُ من ضِلْع الرَجل أبداً..
هو الذي يخرجُ من حَوْضِها..
كما تخرجُ السَمَكَةُ من حَوْض الماءْ
وهو الذي يتفرَّعُ منها،
كما تتفرَّعُ السواقي من النَهْر..
وهو الذي يدورُ حولَ شَمْس عَيْنَيْها..
ويتصوَّرُ أنَّهُ ثابتٌ في مكانِهْ..
2
ليس لي القدرةُُ على تعليمكِ أيّ شيءْ..
فنهداكِ دائِرَتا مَعَارفْ..
وشفتاكِ هما خلاصةُ تاريخ النبيذْ
إنّكِ امرأةٌ مكتفيةٌ بذاتها
زَيْتُكِ منكِ..
وقمحُكِ منكِ..
ونارُكِ منكِ..
وصيفُكِ وشتاؤكِ..
وبَرْقُكِ ورعدُكِ..
ومَطَرُكِ وثلجُكِ..
ومَوْجُكِ وزَبَدُكِ .. كلُُّها منكِ..
ماذا أُعلّمكِ يا امرأهْ؟
مَنْ يستطيع أن يٌقْنِعَ سنجاباً بالذهاب إلى المدرسَهْ؟
مَنْ يستطيع أن يقنِعَ قِطَّاً سياميّاً بالعزف على البيانو؟...
مَنْ يستطيع أن يُقنِعَ سمكةَ القِرْشْ..
بأن تُصبحَ راهبَهْ..
3
ليس لي القدرةُ على ترويضكِ..
أو تَدْجينِكِ ..
أو تهذيبِ غرائزكِ الأُولى.
هذه مهمّةٌ مستحيلَه..
لقد جرّبتُ ذكائي معكِ..
وجرّبتُ أيضاً غَبَائي..
فلم تنفعْ معكِ هدايةٌ ولا غِوايَهْ..
خَلّيكِ بدائيةً كما أنتِ..
خَلّيكِ مِزَاجيَّةً كما أنتِ..
خَلِّيكِ هجوميَّةًً كما أنتِ..
ماذا يبقى من إفريقيا؟...
إذا أخذنا منها نُمُورَها.. وبَهَاراتِها..
ماذا يبقى من جزيرة العربْ؟
إذا أخذنا منها..
مَجْدَ النفْْطِ..
ومَجْدَ الخيل!!
4
ليس لي القدرةُ على كَسْرِ عاداتِكْ..
هكذا أنتِ منذ ثلاثين سَنَهْ
منذُ ثلاثمِئةِ سَنَهْ..
منذُ ثلاثةِ آلافِ سَنَه..
إعصارٌ محبوسٌ في زٌجاجَهْ..
جَسَدٌ يتحسَّسُ رائحةَ الرَجُل بالفِطْرَهْ..
ويهاجمه بالفِطْرَهْ..
وينتصرُ عليهِ بالفِطْرَه..
فلا تُصَدِّقي ما يقولُهُ الرجلُ عن نفسِهْ،
بأنه هو الذي يصنعُ القصائدْ..
ويصنعُ الأطفالْ..
إن المرأةَ هي التي تكتُبُ الشّعْرْ..
والرجلُ هو الذي يوقِّعُهْ..
والمرأةُ هي التي تنجبُ الأطفالْ..
والرجلُ هو الذي يُوقِّعُ في مستشفى الولادَهْ..
بأنّه أصبحَ أباً.!!
5
ليس لي القدرةُ على تغيير طبيعتِكْ..
لا كُتبي تنفعُكِ..
ولا قَنَاعَاتي تُقْنِعُكِ..
ولا نصائحي الأبويَّةُ تفيدكْ..
أنتِ ملكةُ الفوضى، والجُنُون، وعَدَمِ الانتماءْ
فظلِّي كما أنتِ..
أنتِ شَجَرةُ الأنوثة التي تكبُرُ في العُتمَهْ..
ولا تحتاجُ إلى شمسٍ وماءْ..
أنتِ أميرةُ البحر التي أحبّتْ كلَّ الرجالْ
ولم تُحبَّ أَحَداً..
وضاجَعَتْ كلَّ الرجال.. ولم تُضَاجعْ أحداً..
أنتِ البدَويَّةُ التي ذَهَبَتْ مع كلِّ القبائلْ
وعادتْ عذراءْ..
فَظَلّي كما أنتِ..

عاشقة ترتدي غابة_غادة السمان


أيها الشقي، مازلت حين أكتب اسمك
يهطل المطر فجأة على الورقة..
كيف أتقمص أجنحة النوارس
لأطارد مراياك وظلالك؟
كيف خبأت دمك عني،
وسجنت عواصفك وأمطار جنونك داخل القمقم؟
***
وهل تنزف في البحر،
فيولد المرجان؟
وهل تركض على الشواطئ
وجسدك يسوِّر الأمواج،
فيولد المد والجزر راكضين بأمزجتك؟
كيف أقلع بالليل إليك
لأسطو على نومك؟
كيف أرتدي الغابة،
وأستولي على نافذتك بالأشجار..
وأقول لك: أحبك،
قبل أن يغتالني حرس "احتياطاتك الأمنية" الزوجية؟..
وكيف أصير بحيرة،
تغمر تنهدات نومك..
وترتسم على صفحتها أحلامك المجنونة..
شرخاً من السواد، وربما زنابق مائية؟
وكيف أتقمص فزَّاع طيور،
وأحيك مؤامرة مع عصافيرك،
وأمضي بك إلى طرقات الريح،
لنهرول فوق الكلمات المتقاطعة لحبنا الغرائبي..
وأبوح لك بسرّي الهزلي:
ما زلت أحبك أيها الشقي!
***
كنت أعرف أنني سأحبك، منذ قرأت حروفك
فلقّحني حزنك، وأنجبت
كأية بومة أخرى متهورة..
***
علِّمني أيها الشقي،
كيف أنهمِر في زمنك
نقطة في آخر السطر؟

إذا... غادة السمان

إذا أحببتني ذات يوم،
سأرتبك... وأهيم على قلبي
مذعورة من عربات هداياك المفخّخة...
وسيَّافك المختبئ خلف الستائر المخملية لعذوبتك...
إذا أحببتني ذات يوم بصدق،
إذا هجرت نساءك من أجلي،
وأغلقت أبواب حريمك متعدد الجنسيات،
إذا لم تقيدني إلى الجدار،
إذا لم تتدخل في لون شعري وطول ثوبي،
إذا لم تملِ عليَّ مواعيدي،
ولم تكتب لي سيناريو أحلامي التي تريد أن أراها،
إذا لم تزرع جاسوساً في صمّامَ قلبي،
ولم تربط عدّاداً على أنفاسي،
إذا تركتني أصهل حرة كالريح،
قد أهديك ذاكرة الأيام الآتية.
... يا صديقي السياسي:
إذا كانت السياسة فن الممكن،
فالحب فن المستحيل...

مدائن الحنان غادة السمان


لا أريد أن يغطي الدم المشتعل مدني المسافرة داخل
الذاكرة...
لا أريد أن أراه يسيل منتقلاً من مدينة إلى أخرى،
نهراً من الهول يجرفنا...
لا أريد أن يتَحَوّل طرف قلمي الدقيق الذي أخطّ به هذه
السطور شوكةٌ في القلب ونبعاً للحزن...
لا أريد أن أعزف على غير أوتار الفرح في أعماقكم...
ولكن كيف،
وبيروت عشرات المدن الراكضة مرة واحدة في الذاكرة
بأزمنتها المتعددة؟
كيف أنسى بيروت التي لم تكن مدينة،
بل قارة؟!

أعز ما تملكه الفتاة_غادة السمان

حزني أرزة وحيدة على رأس جبل،
لا ممثلة ناجحة على مسرح شكسبيري...
حزني ضوء خفي يشعّ من رؤوس أصابع الأشجار ،
وليس ناراً تأتي علينا معاً...
حزني حديقتي السرية في مغاور روحي،
فالحزن أعز ما تملكه الفتاة، كالحرية،
ولن أشاطرك إياهما!
أستطيع أن أقاسمك الرغيف والكوخ،

أما الحزن والحرية
فيعاقرهما قلبي وحيداً كما الموت.

أميرة في قصرك الثلجي _غادة السمان

أين أنت أيها الاحمق الغالي ؟
ضيعتني لأنك أردت امتلاكي ! ....
* * *
ضيعتَ قدرتنا المتناغمة على الطيران معاً
وعلى الإقلاع في الغواصة الصفراء ...
* * *
أين أنت ؟
ولماذا جعلت من نفسك خصماً لحريتي ،
واضطررتني لاجتزازك من تربة عمري ؟
* * *
ذات يوم ،
جعلتك عطائي المقطر الحميم ...
كنت تفجري الأصيل في غاب الحب ،
دونما سقوط في وحل التفاصيل التقليدية التافهة ..
* * *
ذات يوم ،
كنتُ مخلوقاً كونياً متفتحاً
كلوحة من الضوء الحي ...
يهديك كل ما منحته الطبيعة من توق وجنون ،
دونما مناقصات رسمية ،
أو مزادات علنية ،
وخارج الإطارات كلها ...
* * *
لماذا أيها الأحمق الغالي
كسرت اللوحة ،
واستحضرت خبراء الإطارات ؟
* * *
أنصتُ إلى اللحن نفسه
وأتذكرك ...
يوم كان رأسي
طافياً فوق صدرك
وكانت اللحظة ، لحظة خلود صغيرة
وفي لحظات الخلود الصغيرة تلك
لا نعي معنى عبارة "ذكرى" ..
كما لا يعي الطفل لحظة ولادته ،
موته المحتوم ذات يوم ...
* * *
حاولت ان تجعل مني
أميرة في قصرك الثلجي
لكنني فضلت أن أبقى
صعلوكة في براري حريتي ...
* * *
آه أتذكرك ،
أتذكرك بحنين متقشف ...
لقد تدحرجت الأيام كالكرة في ملعب الرياح
منذ تلك اللحظة السعيدة الحزينة ...
لحظة ودعتك
وواعدتك كاذبة على اللقاء
وكنت أعرف انني أهجرك .
* * *
لقد تدفق الزمن كالنهر
وضيعتُ طريق العودة إليك
ولكنني ، ما زلت أحبك بصدق ،
وما زلت أرفضك بصدق ...
* * *
لأعترف !
أحببتك أكثر من أي مخلوق آخر ...
وأحسست بالغربة معك ،
أكثر مما أحسستها مع أي مخلوق آخر ! ...
معك لم أحس بالأمان ، ولا الألفة ،
معك كان ذلك الجنون النابض الأرعن
النوم المتوقد .. استسلام اللذة الذليل ...
آه اين أنت ؟
وما جدوى أن أعرف ،
إن كنتُ سأهرب إلى الجهة الأخرى
من الكرة الأرضية ؟ ...
* * *
وهل أنت سعيد ؟
أنا لا .
سعيدة بانتقامي منك فقط .
* * *
وهل أنت عاشق ؟
أنا لا .
منذ هجرتك ،
عرفت لحظات من التحدي الحار
على تخوم الشهوة ...
* * *
وهل أنت غريب ؟
أنا نعم .
أكرر : غريبة كنت معك ،
وغريبة بدونك ،
وغريبة بك إلى الأبد .

شبيهتهـا !! _أمل دنقل


انتظري !
ما اسمك ؟
يا ذات العيون الخضر و الشعر الثري
أشبهت في تصوّري
( بوجهك المدوّر )
حبيبة أذكرها .. أكثر من تذكّري
يا صورة لها على المرآة ، لم تكسر
حبيبتي – مثلك –
لم تشبه جميع البشر
عيونها حدائق حافلة بالصور
أبصرتها اليوم بعينيك
اللّتين في عمري ..
طفولة .. منذ اتّزان الخطو لم تنحسر
***
يا ظلّ صيف أخضر
تصوّري
كم أشهر و أشهر
مرّت و لسنا نلتقي
مرّت .. و لم نخضوضر
الماس في مناجمي
مشوّه التبلور
و الذكريات في دمى
عاصفة التحرّر
كرقصة ناريّة من فتيات الغجر
................................
لكنّني حين رأيت الآن صورة لها
في مهجري
أيقنت أنّ ماسنا ما زال
حيّ الجوهر
و أنّنا سنلتقي
رغم رياح القدر
و أنّني في فمك المستضحك المستبشر
أغنية للقمر
أغنية ترقص فيها القرويّات
في ليالي السّمر
***
يا ظلّ صيف أخضر
تصوّري
كم أشهر و أشهر
مغتربا عن العيون الخضر و الشعر الثريّ

البكاء بين يدي زرقاء اليمامة _أمل دنقل

أيتها العرافة المقدَّسةْ ..
جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.
أسأل يا زرقاءْ ..
عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء
عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة
عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء
عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..
فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !
عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!
أسأل يا زرقاء ..
عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !
عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟
كيف حملتُ العار..
ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !
ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !
تكلَّمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ
لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..
تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !
تكلمي ... لشدَّ ما أنا مُهان
لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !
ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..
ولا احتمائي في سحائب الدخان !
.. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة
( - كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق
فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ
وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة ..
رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..
وارتخت العينان !)
فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟
والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..
والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟
* * *
أيتها النبية المقدسة ..
لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..
لكي أنال فضلة الأمانْ
قيل ليَ "اخرسْ .."
فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !
ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان
أجتزُّ صوفَها ..
أردُّ نوقها ..
أنام في حظائر النسيان
طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .
وها أنا في ساعة الطعانْ
ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ
دُعيت للميدان !
أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..
أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..
أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،
أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!
تكلمي أيتها النبية المقدسة
تكلمي .. تكلمي ..
فها أنا على التراب سائلٌ دمي
وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا .
أسائل الصمتَ الذي يخنقني :
" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!"
فمن تُرى يصدُقْني ؟
أسائل الركَّع والسجودا
أسائل القيودا :
" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "
أيتها العَّرافة المقدسة ..
ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..
فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..
فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !
وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..
والتمسوا النجاةَ والفرار !
ونحن جرحى القلبِ ،
جرحى الروحِ والفم .
لم يبق إلا الموتُ ..
والحطامُ ..
والدمارْ ..
وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ
ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،
وفي ثياب العارْ
مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !
ها أنت يا زرقاءْ
وحيدةٌ ... عمياءْ !
وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ
والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !
فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها
كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.
في أعين الرجال والنساءْ !؟
وأنت يا زرقاء ..
وحيدة .. عمياء !
وحيدة .. عمياء !

الاثنين، 24 أغسطس 2009

العينان الخضراوان _امل دنقل


العينان الخضراوان
مروّحتان
في أروقة الصيف الحرّان
أغنيتان مسافرتان
أبحرتا من نايات الرعيان
بعبير حنان
بعزاء من آلهة النور إلى مدن الأحزان
سنتان
و أنا أبني زورق حبّ
يمتد عليه من الشوق شراعان
كي أبحر في العينين الصافيتين
إلى جزر المرجان
ما أحلى أن يضطرب الموج فينسدل الجفنان
و أنا أبحث عن مجداف
عن إيمان !
***
في صمت " الكاتدرائيات " الوسنان
صور " للعذراء " المسبّلة الأجفان
يا من أرضعت الحبّ صلاة الغفران
و تمطي في عينيك المسبّلتين
شباب الحرمان
ردّي جفنيك
لأبصر في عينيك الألوان
أهما خضراوان
كعيون حبيبي ؟
كعيون يبحر فيها البحر بلا شطآن
يسأل عن الحبّ
عن ذكرى
عن نسيان !
و العينان الخضراوان
مروّحتان !

خمس أغنيات إلى حبيبتي..! _أمل دنقل

على جناح طائر
مسافر..
مسافر..
تأتيك خمس أغنيات حب
تأتيك كالمشاعر الضريرة
من غربة المصب
إليك: يا حبيبتي الاميره
الأغنية الأولى
مازلت أنت.....أنت
تأتلقين يا وسام الليل في ابتهال صمت
لكن أنا ،
أنا هنـــــــا:
بلا (( أنا ))
سألت أمس طفلة عن اسم شارع
فأجفلت..........ولم ترد
بلا هدى أسير في شوارع تمتد
وينتهي الطريق إذا بآخـر يطل
تقاطعُ ،
تقاطع
مدينتي طريقها بلا مصير
فأين أنت يا حبيبتي
لكي نسير
معا......،
فلا نعود،
لانصل.
الأغنية الثانية
تشاجرت امرأتان عند باب بيتنا
قولهما علي الجدران صفرة انفعال
لكن لفظا واحدا حيرني مدلوله
قالته إحداهن للأخرى
قالته فارتعشت كابتسامة الأسرى
تري حبيبتي تخونني
أنا الذي ارش الدموع ..نجم شوقنا
ولتغفري حبيبتي
فأنت تعرفين أن زمرة النساء حولنا
قد انهدلت في مزلق اللهيب المزمنة
وانت يا حبيبتي بشر
في قرننا العشرين تعشقين أمسياته الملونة
قد دار حبيبتي بخاطري هذا الكدر
لكني بلا بصر:
أبصرت في حقيبتي تذكارك العريق
يضمنا هناك في بحيرة القمر
عيناك فيهما يصل ألف رب
وجبهة ماسية تفنى في بشرتها سماحة المحب
أحسست أني فوق فوق أن اشك
وأنت فوق كل شك
وإني أثمت حينما قرأت اسم ذلك الطريق
لذا كتبت لك
لتغفري
الأغنية الثالثة
ماذا لديك يا هوى
اكثر مما سقيتني
اقمت بها بلا ارتحال
حبيبتي: قد جاءني هذا الهوى
بكلمة من فمك لذا تركته يقيم
وظل ياحبيبتي يشب
حتى يفع
حتى غدا في عنفوان رب
ولم يعد في غرفتي مكان
ما عادت الجدران تتسع
حطمت يا حبيبتي الجدران
حملته ، يحملني ،
الى مدائن هناك خلف الزمن
اسكرته ، اسكرني
من خمرة أكوابها قليلة التوازن
لم افلت
من قبضة تطير بي الى مدى الحقيقة
بأنني أصبت،....اشتاق يا حبيبتي

شيء يحترق _أمل دنقل


شيء في قلبي يحترق
إذ يمضي الوقت ... فنفترق
و نمدّ الأيدي
يجمعنا حبّ
و تفرّقها .. طرق
***
.. ولأنت جواري ضاجعه
و أنا بجوارك ، مرتفق
و حديثك يغزله مرح
و الوجه .. حديث متّسق
ترخين جفونا
أغرقها سحر
فطفا فيها الغرق
و شبابك حان جبليّ
أرز ، و غدير ينبثق
و نبيذ ذهبيّ و حدي
مصطبح منه و مغتبق
و تغوص بقلبي نشوته
تدفعني فيك .. فتلتصق
و أمدّ يدين معربدتين
فثوبك في كفّي ..
مزّق
و ذراعك يلتفّ
و نهر من أقصى الغابة يندفق
و أضمّك
شفة في شفة
فيغيب الكون ، و ينطبق
...............
و تموت النار
فنرقبها
بجفون حار بها الأرق
خجلى !
و شفاهك ذائبه
و ثمارك نشوى تندلق

ضد من _أمل دنقل

في غُرَفِ العمليات,
كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ,
لونُ المعاطفِ أبيض,
تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات,
الملاءاتُ,
لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن,
قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ,
كوبُ اللَّبن,
كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَنْ.
كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!
فلماذا إذا متُّ..
يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ..
بشاراتِ لونِ الحِدادْ?
هل لأنَّ السوادْ..
هو لونُ النجاة من الموتِ,
لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ,
***
ضِدُّ منْ..?
ومتى القلبُ - في الخَفَقَانِ - اطْمأَنْ?!
***
بين لونين: أستقبِلُ الأَصدِقاء..
الذينَ يرون سريريَ قبرا
وحياتيَ.. دهرا
وأرى في العيونِ العَميقةِ
لونَ الحقيقةِ
لونَ تُرابِ الوطنْ!

زهور _أمل دنقل


وسلالٌ منَ الورِد,
ألمحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقه
وعلى كلِّ باقةٍ
اسمُ حامِلِها في بِطاقه
***
تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ
أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ - دهشةً -
َلحظةَ القَطْف,
َلحظةَ القَصْف,
لحظة إعدامها في الخميلهْ!
تَتَحدثُ لي..
أَنها سَقَطتْ منْ على عرشِها في البسَاتين
ثم أَفَاقَتْ على عَرْضِها في زُجاجِ الدكاكينِ

, أو بينَ أيدي المُنادين,
حتى اشترَتْها اليدُ المتَفضِّلةُ العابِرهْ
تَتَحدثُ لي..
كيف جاءتْ إليّ..
(وأحزانُها الملَكيةُ ترفع أعناقَها الخضْرَ)
كي تَتَمني ليَ العُمرَ!
وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!
***
كلُّ باقهْ..
بينَ إغماءة وإفاقهْ
تتنفسُ مِثلِىَ - بالكادِ - ثانيةً.. ثانيهْ
وعلى صدرِها حمَلتْ - راضيهْ...
اسمَ قاتِلها في بطاقهْ!

لا تصالح _أمل دنقل


(1 )
لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!
(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضلعين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف -
همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي
- الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ -
مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
(9)
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ

شيزوفرينيا_نزار قباني

بيني وبينك علاقة حب صعبه
لا أُفكّرُ في مقاومتها..
أو الاحتجاجِ عليها..
فالحبُّ الكبير هو دائماً حبٌّ صعبْ
وليس صحيحاً أنّه يأتينا على عَرَبةٍ تَجرُّها الملائِكَهْ..
وليس صحيحاً..
أنَّنا نجدُهُ مختبئاً كالقَمَر تحت شراشفنا..
أو كشامَةٍ زرقاءْ
تحت خاصرتنا اليُسْرى..
2
وكلامٌ لم يتعلَّم بعدُ.. كلَّ الكلامْ..
وذَهَباً.. وبهاراً هندياً..
بيني وبينك، كَهَنَةٌ.. وَعَرَّافُونَ.. وفَنَاجينُ قهوةٍ لم تُفتَحْ..
وعلاماتُ حُبٍّ قادمٍ..
تُشْبِهُ علاماتِ يوم القيامَهْ
ونُبُوءاتٌ عن أنهارٍ ستفيضْ..
وكنوزٍ ستتوهّجْ..
وأطفالٍ سيذهبونَ كلَّ صباحٍ إلى مدرسة البنفسجْ...
3
بيني وبينكِ طَقْسٌ رماديٌّ يميلُ إلى المطَرْ..
وأنا أشتهيكِ تحت المَطَرْ..
وَبَعدَ المَطَرْ..
أعشابَ البراري..
بيني وبينكِ حالةٌ من الشِعْر لم أكتُبها بعدْْ..
وحالةٌ من النُبُوءة لم أُبَشِّرْ بها الناسَ بعد..
وحالةٌ من الانخطافِ..
تجعلني سيّدَ الدراويشْ..
بيني وبينكِ أسئلةٌ لا أُريدُها أن تُجابْ..
وتناقضاتٌ جميلةٌ ليس من مصلحة الحُبّ أن تنتهي..
وخصوماتٌ طفوليةٌ..
ليس من مصلحة الشِّعْر أن تُحسَمْ..
وعاداتٌ صغيرَهْ..
تتسلّقُ على رُفُوف الكُتُبْ.. وورقِ الجدرانْ..
وتترسَّبُ مع البُنّ في فناجين القهوَهْ..
4
بيني وبينكِ فضيحةٌ غيرُ مُعْلَنَهْ..
وزلازلُ مجهولةُ التوقيتْ..
وجريمة عِشْقٍ قابلةٌ للتنفيذ في أيَّة لحظَهْ..
بيني وبينكِ شوارعُ نِصفَ مضيئَهْ..
وقطاراتٌ ليليَّةٌ أسمعُ صفيرَها.. ولا أراها..
وأَهْذِي في نَوْمي..
5
بيني وبينكِ بلادٌ من العَطَشْ..
ومُنحرِفونَ شِعْرياً.. وجِنْسياً يرفضونَ أُنوثتَكِ..
كما يرفضونَ قَصَائدي..
بيني وبينكِ طغاةٌ .. ومُخْبرونَ.. ومراكزُ قوىْ..
وشركاتٌ مساهَمَةٌ لمكافحة الحُبّ، والثورة، والكتابَهْ..
بيني وبينكِ..
ونساءٌ.. يبعنَ أساورَهُنَّ..
ويقطعنَ أيديَهنَّ من أجل الشِّعْرْ..
6
بيني وبينكِ..
مجتمعٌ من الصيارفة لا يمكن اختراقُهْ..
ومجتمعٌ من البطاركَهْ..
لا يعترفُ حتى الآن بشرعيّة عينيكِ..
وفُقَهاءُ..
ومُجْتَهدونَ..
ومُفَسِّرونْ..
وشَطْبَ شعري من مناهج وزارة التربيَهْ..
بيني وبينكِ..
مجتمعٌ من الصيارفة لا يمكن اختراقُهْ..
ومجتمعٌ من البطاركَهْ..
لا يعترفُ حتى الآن بشرعيّة عينيكِ..
وفُقَهاءُ..
ومُجْتَهدونَ..
ومُفَسِّرونْ..
قرروا بإجماع الآراء سفكَ دمي
وشَطْبَ شعري من مناهج وزارة التربيَهْ..
حتى لا تتكحَّلَ به بَنَاتُ القبيلَهْ....

كيف؟_نزار قباني



1
كيفْ؟
أيُّ المفاتيح تفتحُ أبوابَ مملكتِك؟
أيُّ القصائد تدخلني إلى قاعة العَرْشْ؟
أي نوعٍ من النبيذْ..
أقدّمُهُ لرشوةِ حُرّاسِكْ؟
طبّقتُ عليكِ عُلُومَ الأوّلينَ والآخرينْ
وحكمةَ الفلاسفة.. وجُنُونَ المجانينْ..
لم أترُكْ كتاباً من كُتُب العشْقِ.. إلا تعاطيتُها..
ولا رياضةً هنديّةً للتغلّب على النفس..
إلا مارستُها..
فلا الأعشابُ الصينيَّةُ نفَعتْني..
ولا الطُقوسُ البوذيّةُ نفَعتْني..
ولا مؤلفاتُ العشق.. نفَعتْني..
أيّتها المرأةُ التي لم تكْتُبها الكُتُبْ..
2
التي يستعملها الرجالُ عادةً لاستمالة النساءْ
وإلى مستحضري الأرواح.. ففشلتْ..
حاولتُ أن أعاقبَكِ بالذهاب مع امرأةٍ أخرى..
فعاقبتُ نفسي..
دُلّيني على طريقةٍ أنتصرُ فيها عليكِ...
فكلّما ضربتُ نهديْكِ بالسياطْ..
تفجَّر الدمُ من جَسَدي..
3
أيّتها المرأة الموجودةُ في كلِّ شيءْ..
والقادرةُ على كُلِّ شيءْ..
لا ينفع هجرٌ ولا خيانَهْ..
كلّما دخلتُ إلى بيت امرأهْ.
خرجتِ إليَّ من وراء الستائرْ..
كلَّما مارستُ الحبَّ مع امرأةٍ أخرى..
حَبِلتِ أنتِ!!...
كلُّ الخيانات هي في مصلحتِكْ..
كلّما دخلتُ إلى بيت امرأهْ.
خرجتِ إليَّ من وراء الستائرْ..
كلَّما مارستُ الحبَّ مع امرأةٍ أخرى..
حَبِلتِ أنتِ!!...

قصيدة حبّ 1980_نزار قباني

يصبحُ دمي بنفسجيّاً..
تهجمُ كُريَّاتُ العشق على بقية الكُرَيَّاتْ
وتأكُلُها..
تهجُمُ الكِلْمةُ الأنثى على بقيّة الكلماتْ
وتطرُدُها...
ويكتشفونَ من تخطيط قلبي..
أنّهُ قلبُ عصفورْ..
أو قلبُ سَمَكَهْ..
وأن مياهَ عينيكِ الدافئهْ..
هي بيئتي الطبيعيَّهْ
والشرطُ الضروريّ لاستمرار حياتي..
2
عندما تصبحُ المكتباتْ
ويصبحُ مكتبُ البريدْ
حقلاً من النجوم.. والأزهار... والحروف المقصَّبَهْ
أَقَعُ في إشكالٍ لغويٍّ كبيرْ..
أسقُطُ من فوق حصان الكلماتْ
كرجُلٍ لم يَر الخيلَ في حياتِهْ..
ولم يَر النساءْ..
آخُذُ صِفْراً في الأدبْ
آخُذُ صِفْراً في الإلقاءْ
أرسبُ في مادّة الغَزَلْ
لأنني لم أستطع أن أقولَ بجملةٍ مُفِيدَهْ
كم أنتِ رائعهْ
وكم أنا مُقصِّرٌ في مُذاكرة وجهك الجميلُ
وفي قراءة الجزءِ العاشرِ بعد الألفْ..
من شعركِ الطويلْ...
3
إشتغلتُ عاماً كاملاً
على قصيدةٍ تلبسينها عام 1980
إلا هدايا القلبْ
إلا أساورَ حناني...
إثْنيْ عشَرَ شهراً.. وأنا أشتغِلْ
كدودة الحرير أشتغِلْ..
مرّةً بخيطٍ ورديّْ..
ومرّةً بخيطٍ برتُقاليّْ..
حيناً بأسلاكِ الذَهَبْ
وحيناً بأسلاكِ الفضَّهْ
لأفاجئكِ بأُغنيَهْ..
تَضَعينها على كتِفَيْكِ كشالِ الكَشْمِيرْ..
ليلةَ رأس السَنهْ..
وتُثيرينَ بها مُخيّلةَ الرجال.. وغيرةَ النساءْ..
4
إثنيْ عشر شهراً..
وأنا أعملُ كصائغٍ من آسيا..
في تركيب قصيدةٍ..
تليقُ بمجد عينيكِ..
والياقوتةَ بالياقوتَهْ..
وأصنعُ منها حَبْلاً طويلاً.. طويلاً من الكلماتْ
أضعُهُ حول عُنُقكِ.. وأنا أبكي...
إثنيْ عشَرَ شهْراً
وأنا أعملُ كنسَّاجي الشامْ
وفلورنسا.. والصين.. وبلاد فارسْ..
في حياكة عباءةٍ من العِشْقْ..
لا يعرفُ مثلَها تاريخُ العباءاتْ..
ولا تاريخُ الرجالْ..
5
إثني عشر شَهْراً..
وأنا في أكاديميّة الفُنُون الجميلَهْ
أرسُمُ خيولاً بالحبرِ الصينيّْ
تشبِهُ انفلاتَ شَعْرِكْ
وأعجنُ بالسيراميك أشكالاً لولبيَّهْ
تشبهُ استدارةَ نهديْكِ..
وعلى الزجاج رسَمتْ..
صنعتُ الأصواتَ التي لها رائحهْ..
والرائحةَ التي لها صوتْ..
ورسمتُ حول خصرك ريحاً بالقلم الأخضَرْ..
حتى لا يخطر بباله أن يصبح فراشةً.. ويطيرْ
إثنيْ عشر شهراً..
وأنا أكسر اللغةَ إلى نصفينْ..
والقَمَر إلى قمرينْ..
قَمَرٍ تستلمينَهُ الآنْ..
وَقَمَرٍ تستلمينَهُ في بريد عام 1980
صنعتُ الأصواتَ التي لها رائحهْ..
والرائحةَ التي لها صوتْ..
ورسمتُ حول خصرك ريحاً بالقلم الأخضَرْ..
حتى لا يخطر بباله أن يصبح فراشةً.. ويطيرْ
إثنيْ عشر شهراً..
وأنا أكسر اللغةَ إلى نصفينْ..
والقَمَر إلى قمرينْ..
قَمَرٍ تستلمينَهُ الآنْ..
وَقَمَرٍ تستلمينَهُ في بريد عام 1980

سأقول لكِ أحبّكِ

سَأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
حينَ تنتهي كلُّ لُغَاتِ العشق القديمَه
فلا يبقى للعُشَّاقِ شيءٌ يقولونَهُ.. أو يفعلونَهْ..
عندئذ ستبدأ مُهِمَّتي..
في تغيير حجارة هذا العالمْ..
وفي تغيير هَنْدَسَتِهْ..
شجرةً بعد شَجَرَهْ..
وكوكباً بعد كوكبْ..
وقصيدةً بعد قصيدَه..
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
وتضيقُ المسافةُ بين عينيكِ وبين دفاتري..
ويصبحُ الهواءُ الذي تتنفَّسينه يمرُّ برئتيَّ أنا..
وتصبحُ اليدُ التي تضعينَها على مقعد السيّارة..
هي يدي أنا..
سأقولها، عندما أصبح قادراً،
على استحضار طفولتي، وخُيُولي، وعَسَاكري،
ومراكبي الورقيَّهْ..
واستعادةِ الزَمَن الأزرق معكِ على شواطيء بيروتْ..
حين كنتِ ترتعشين كسمَكةٍ بين أصابعي..
فأغطّيكِ، عندما تَنْعَسينْ،
بشَرْشَفٍ من نُجُوم الصيفْ..
3
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
وسنابلَ القمح حتى تنضجَ.. بحاجةٍ إليكِ..
والينابيعَ حتى تتفجَّرْ..
والحضارةَ حتى تتحضَّرْ..
والعصافيرَ حتى تتعلَّمَ الطيرانْ..
والفراشات حتى تتعلَّمَ الرَسْم..
وأنا أمارسَ النُبُوَّهْ
بحاجةٍ إليكِ..
4
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
عندما تسقط الحدودُ نهائياً بينكِ وبين القصيدَهْ..
ويصبح النومُ على وَرَقة الكتابَهْ
ليسَ الأمرُ سَهْلاً كما تتصوَّرينْ..
خارجَ إيقاعاتِ الشِّعرْ..
ولا أن أدخلَ في حوارٍ مع جسدٍ لا أعرفُ أن أتهجَّاهْ..
كَلِمَةً كَلِمَهْ..
ومقطعاً مقطعاً...
إنني لا أعاني من عُقْدَة المثقّفينْ..
لكنَّ طبيعتي ترفضُ الأجسادَ التي لا تتكلَّمُ بذكاءْ...
والعيونَ التي لا تطرحُ الأسئلَهْ..
إن شَرْطَ الشهوَة عندي، مرتبطٌ بشَرْط الشِّعْرْ
فالمرأةُ قصيدةٌ أموتُ عندما أكتُبُها..
وأموتُ عندما أنساها..
5
سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
عندما أبرأُ من حالة الفُصَام التي تُمزِّقُني..
وأعودُ شخصاً واحداً..
سأقُولُها، عندما تتصالحُ المدينةُ والصحراءُ في داخلي.
وترحلُ كلُّ القبائل عن شواطيء دمي..
الذي حفرهُ حكماءُ العالم الثالث فوق جَسَدي..
التي جرّبتُها على مدى ثلاثين عاماً...
فشوَّهتُ ذُكُورتي..
وأصدَرَتْ حكماً بِجَلْدِكِ ثمانينَ جَلْدَهْ..
بِتُهْمةِ الأُنوثهْ...
لذلك. لن أقولَ لكِ (أُحِبّكِ).. اليومْ..
ورُبَّما لن أَقولَها غداً..
فالأرضُ تأخذ تسعةَ شُهُورٍ لتُطْلِعَ زهْرَهْ
والليل يتعذَّبُ كثيراً.. لِيَلِدَ نَجْمَهْ..
والبشريّةُ تنتظرُ ألوفَ السنواتِ.. لتُطْلِعَ نبيَّاً..
فلماذا لا تنتظرينَ بعضَ الوقتْ..
لِتُصبِحي حبيبتي؟؟.
بِتُهْمةِ الأُنوثهْ...
لذلك. لن أقولَ لكِ (أُحِبّكِ).. اليومْ..
ورُبَّما لن أَقولَها غداً..
فالأرضُ تأخذ تسعةَ شُهُورٍ لتُطْلِعَ زهْرَهْ
والليل يتعذَّبُ كثيراً.. لِيَلِدَ نَجْمَهْ..
والبشريّةُ تنتظرُ ألوفَ السنواتِ.. لتُطْلِعَ نبيَّاً..
فلماذا لا تنتظرينَ بعضَ الوقتْ..
لِتُصبِحي حبيبتي؟؟.

هل تجيئين معي إلى البحر؟ _نزار قباني


1
هل تهرُبين معي من الزَمَن اليابسِ إلى زَمَن الماءْ؟
فنحنُ منذُ ثلاثِ سنينْ
لم ندْخُلْ في احتمالات اللون الأزرقْ
لم نُمْسِكْ بأيدينا..
أُفُقاً..
أو حُلُماً.. أو قصيدَهْ..
لقد جعلتْنا الحربُ الأهليَّةُ حيوانيْنِ بَرِّيَيْنْ
يتكلمَّانِ دونَ شهيَّهْ..
ويتناسلانِ دونَ شهيَّهْ
ويلتصقانِ ببعضهما بصَمْغ العادات المُكْتَسَبَهْ
قهوتي التُركيّةُ عَادَةٌ مُكْتَسَبَهْ..
وحَمَّامُكِ الصَبَاحيُّ عَادَةٌ مُكْتَسَبَهْ..
ولونُ مناشِفِكِ عَادَةٌ مُكْتَسَبَهْ....
فلماذا لا تلبسينَ قُبَّعَةَ الشمسْ؟
وتأتينَ معي..
إنّني ضجرتُ من هذه العلاقة الاكاديميَّهْ
التي أعْطَتْكِ شكلَ النساءِ المتزوجاتِ دونَ حُبّْ
وأعطتْني..
شَكْلَ القصيدة العَمُوديَّهْ...
***
2
هَشَّةٌ.. وقابلةٌ للكَسْرْ..
تَتَشَابَهُ كمنشورٍ سياسيّْ
كلُّ أنواع الكحولْ..
لها مَذَاقٌ واحدٌ.. ومفعولٌ واحدْ..
كلُّ الطُرُقاتِ إلى نهدَيْكِ
تُؤدّي إلى الانتحارْ..
فلماذا.. لا نخرجُ إلى البحرْ؟
إنَّ البحرَ لا يكرِّرُ نفسَهْ..
ولا يُعيد كتابةَ قصائِدِهِ القديمَهْ..
البحرُ.. هو التغيُّرُ والولادَهْْ..
وأنا أريدكِ أن تتغيَّري.. وأن تُغيِّريني..
أريدُ أن ألِدَكِ.. وأن تلِدِيني..
أريدُ أن تَنْقُشيني بالخَطِّ الكُوفيِّ على جِلْدكْ
كما تنقشُ المرأة العاشقةُ..
إسمَ رَجُلِها على صدرها..
قبلَ أن يذهبَ إلى الحربْ..
أريدُ أن أمشي معكِ تحت شجر الشِّعْرْ..
وأضَعَ في يَدَيْكِ الصغيرتينِ أساورَ الشِّعْرْ..
أريدُ أن أطلقَ سراحَكِ من هذه الزَنْزَانَة العربيَّهْ
التي أعطتكِ شكل النساء المتزوجات دون حُبّْ..
وأعطتني شكلَ القصيدة العَمُوديَّهْ...
3
لقد انفجرتْ بيروتُ بين أصابعي..
كَدَواةٍ بنفسجيَّهْ..
فساعديني على ترميم وجهي..
فاللغةُ قطارٌ ليليٌّ بطيءْ
ينتحر فيه المسافرونَ من شدّة الضَجَرْ
فتعاليْ نطلقِ النارَ على الأحرف الأبجديَّهْ..
ألا يُمكنني أن أُحِبَّكِ خارج المخطوطات العربيَّهْ؟
وخارجَ الفَرَمَانات العربيَّهْ..
وخارجَ أنظمة المرور العربيَّهْ..
وخارجَ الأوزان العربيَّهْ..
فَعُولُنْ مَفَاعيلُنْ فعولُنْ مفاعيلُنْ..
ألا يمكنني أن أجلس معكِ في الكافيتيريا؟
دونَ أن يجلس معنا أمرؤ القيْسْ؟
فَعُولُنْ مَفَاعيلُنْ فعولُنْ مفاعيلُنْ..
ألا يمكنني أن أدعوكِ للرقصْ؟
دون أن يرقصَ معنا البُحتريّْ..
فَعُولُنْ مَفَاعيلُنْ فعولُنْ مفاعيلُنْ..
ثمَّ.. ألا يمكنني أن أوصلكِ إلى منزلك في آخر الليل..
إلاّ بحراسة رجُلِ المُخَابرات عنترةَ العبسيّْ..
آهٍ.. كم هو مُتْعِبٌ أن أتغزَّلَ بعينيكِ..
وأنا تحتَ الحراسَهْ..
وأتجوَّلَ في ليل شعرك.. وأنا تحت الحراسَهْ....
آهٍ.. كم هو مُتْعِبٌ..
أن أُحِبَّكِ بين فَتحَتَيْنِ..
أو هَمْزَتَيْنِ..
أو نُقْطَتَيْنْ..
فلماذا لا نرمي بأنْفُسِنا من قطار اللغَهْ.؟
ونتكلَّم لغة البحرْ؟
4
هل تجيئينَ معي إلى البحرْ؟
لنحتمي تحت عباءته الزرقاءْ.
لقد تفكَّك الزمنُ بين أصابعنا
وتفكَّكت عناصرُ عينيكِ..
فساعديني على لَمْلَمَتِكِ.. ولملمة شَعْرِكِ الذي ذَهَبَ ولم يترك لي عنوانَهْ..
فأنا أركضُ .. وهو يركض أمامي كدجاجةٍ مذبوحَهْ..
ساعديني في العثور على فمي..
فقد أخذتِ الحربُ دفاتري وخَرْبَشَاتي الطفوليَّهْ
أخذتِ الكلماتِ التي كان يمكن أن تجعلكِ أجملَ النساءْ
والكلماتِ التي كان يمكن أن تجعلني أعظمَ الشعراءْ..
هل أبوحُ لكِ بسِرٍّ صغيرْ؟
إنني أصيرُ قبيحاً عندما لا أكتُب..
وأصيرُ قبيحاً عندما لا أعشَقْ..
فساعديني على استعادة المجديْنْ..
مَجْدِ الكتابةِ.. ومَجْدِ العشقْ..
5
هل تدخلينَ معي في احتمالات اللون الأزرقْ..
واحتمالات الغَرَق والدُوارْ..
واحتمالات الوجه الآخرِ للحُبّْ..
لقد دمّرتْني العلاقةُ ذاتُ البُعْد الواحدْ
والحوارُ ذو الصوت الواحدْ..
والجِنْسُ ذو الإيقاع الواحدْ..
وتلبسينَ جلْدَ البحرْ؟
وتلبسينَ جُنوني...
لماذا لا تخلعينَ ثوبَ الغبار.. وتلبسينَ أمطاري؟..
لقد تكدَّسَ على شفاهنا شوكٌ كثيرٌ.. وضجَرٌ كثيرْ
فلماذا لا نثورُ على هذه العلاقة الأكاديميَّهْ..
التي أعْطَتْكِ شَكْلَ النساءِ المتزوجاتْ..
وأعطَتْني شكلَ القصيدة العَمُوديَّهْ!!..
لماذا لا تخلعين جلدكِ..
وتلبسينَ جلْدَ البحرْ؟
لماذا لا تخلعينَ طقْسَكِ المعتدلْ؟.
وتلبسينَ جُنوني...
لماذا لا تخلعينَ ثوبَ الغبار.. وتلبسينَ أمطاري؟..
لقد تكدَّسَ على شفاهنا شوكٌ كثيرٌ.. وضجَرٌ كثيرْ
فلماذا لا نثورُ على هذه العلاقة الأكاديميَّهْ..
التي أعْطَتْكِ شَكْلَ النساءِ المتزوجاتْ..
وأعطَتْني شكلَ القصيدة العَمُوديَّهْ!!..

ربّما.._نزار قباني


1

ربّما..
أنا لم أعشقك حتى الآن .. لكن ربّما ..
تحدثُ المُعْجِزَةُ الكبرى.. وتَنْشَقُّ السَمَا..
عن فراديسَ عجيبَهْ..
وتصيرين الحبيبَهْ..
وتصيرُ الشمسُ يا سيِّدتي
خاتماً بين يَدَيّْ..
وأرى في حُلُمي وَجْهَ النبيّْ
وأرى الجنَّةَ من نافذتي والأنجُمَا..
رُبَّما..
2
ربّما..
أنا لم أعشقك حتى الآن .. لكن ربّما ..
يضربُ الطوفانُ شُطآنَ حياتي
ويجي البحر من كل الجهات..
رُبَّما يجتاحني الإعصارُ في يومِ غدٍ
رُبَّما بعدَ غدٍ..
رُبَّما في أشهُرٍ أو سَنَواتِ..
فاعذُريني إِن تَرَيَّثْتُ قليلاً..
فأنا أختارُ في شكلٍ دقيقٍ كَلِماتي..
مُعجَبٌ فيكِ أنا..
غير أنَّ الحبَّ ما بلَّلَ بالدَمْع سريري..
أو رَمَى أزهارَهُ في شُرُفاتي..
3
أنا لم أَعْشَقْكِ حتى الآنَ.. لكن..
سوفَ تأتي ساعةُ الحُبِّ التي لا رَيْبَ فيها..
وسيرمي البحر أسماكاً على نهديك لم تنظريها..
وسيُهديكِ كنوزاً، قَبْلُ، لم تكتشِفِيها..
سيجيء القمح في موعده ..
ويجيءُ الوردُ في موعدِهِ..
وستنسابُ الينابيعُ، وتَخْضَرُّ الحقُولْ
فاتركي الأشجار تنمو وحدها ..
واتركي الأنهارَ تجري وحدَها..
فمن الصعب على الإنسان تغييرُ الفُصُولْ..
4
رُبَّما كنتِ أرقَّ امرأةٍ..
وُجِدتْ في الكون، أو أحلى عروسْ..
ربّما كنتِ برأي الآخرينْ
قَمَرَ الأقمار، أو شَمْسَ الشموسْ
رُبَّما كنتِ جميلَهْ..
غيرَ أنَّ الحبَّ – مثلَ الشِعْر عندي-
لايلبّيني بيسر وسهولة ..
فاعذريني ان تردَّدتُ ببَوْحي..
وتجاهلتُكِ صدراً، وقواماً، وجمالا..
إنَّ حُبِّي لكِ ما زالَ احتمالا..
فاتركي الأمرَ إلى أنْ يأذَنَ اللهُ تَعَالى...
5
إشربي القهوةَ يا سَيِّدتي..
ربّما يأتي الهوى كالمسيح المُنْتَظَرْ..
ليس عندي الآنَ ما أعلنُهُ..
فلقد يأتي.. ولا يأتي الهوى
ولقد يُلْغي مواعيدَ السَفَرْ..
ربّما أكتُبُ شعراً جيّداً..
غير أني لم أُحاولْ أبداً من قَبْلُ إِسْقَاطَ المطَرْ
انّ للحُبِّ قوانينَ فلا..
تستبقي وقت الثمر ..
6
إشْرَبي القهوةَ يا سَيِّدتي..
وابْحَثي في صفحة الأَزْيَاءِ عن ثَوْبٍ جميلٍ..
أو سِوَارٍ مُبتَكَرْ..
وابْحَثي في صفحة الأبراج عن عُصْفُورةٍ خضراءَ..
تأتيكِ بمكتوبٍ جديدٍ.. أو خَبَرْ..
إشْرَبي القَهْوَةَ يا سيّدتي..
فالجميلاتُ قضاءٌ وقَدَرْ..
والعيونُ الخُضْرُ والسُودُ..
قضاءٌ وقَدَرٌ..
هل أنا أهواكِ؟. لا شيءَ أكيدْ..
هل أنا مضطرب الرؤية .. لاشيء أكيد ..
هل أنا مُنْشَطِرُ النَفْس إلى نَفْسَيْنِ.. لا شيءَ أكيدْْ
هل حياتي شَبَّتِ النارُ بها؟
هل ثيابي اشتعلَتْ؟ هل حروفي اشتعلتْ؟
هل دُمُوعي اشتعلتْ؟
هل أنا ضَوْءٌ سَمَاوِيٌّ.. وإنسانٌ جديدْ؟
لا تُسَمِّي ذلك الإعجابَ يا سيِّدتي حُبَّاً..
فان الحُبَّ لا يأتي إذا نحنُ أردناهُ..
ويأتي كغزالٍ شاردٍ حين يُريدْ...
8
إشربي القهوة ، يامائيّة الصوت ، وخضراء العيون ..
فعلى خارطة الأشواق لا أعرفُ في أيِّ مكانٍ سأكونُ..
ومتى يذبحني سيف الجنون؟
فلماذا تكثرينَ الأسئلة؟.
ولماذا أنت ، يا سيّدتي ، مُسْتَعْجِلَهْ.؟
أنا لا أنْكِرُ إعجابي بعينيكِ، فإعجابي بعينيكِ قديمْ..
لا ولا أَنكر تاريخي مع العطر الفَرَنْسيِّ الحميمْ
ومع النهد الذي كسَّرَ أبوابَ الحَريمْ.
غير أنّي لم أزلْ أفتقدُ الحبَّ العظيمْ..
آهِ ما أروعَ أن ينسحقَ الإنسانُ في حُبٍّ عظيمْ..
فامنحيني فُرْصةً أُخرى.. فقد
يكتبُ اللهُ عليَّ الحبَّ.. واللهُ كريمْ..
9
أنا لم أعشقك حتى الآن .. لكن من سيدري؟
ما الذي يحدثُ في يومٍ ولَيْلَهْ..
رُبَّما تنمو أزاهيرُ المانُولْيَا فوق ثغري
رُبّما تأوي ملايينُ الفراشات إلى غاباتِ صدري..
رُبَّما تمنحُني عيناكِ عُمْراً فوقَ عُمْري..
مَنْ سَيَدْرِي؟
ما الذي يحدُثُ للعالم لو أنّي عَشِقْتْ..
هل يجيء الخيرُ والرِزْقُ، ويزدادُ الرخاءْ؟
هل ستزدادُ قناديلُ السماءْ..
هل سيمضي زَمَنُ القُبْح.. ويأتي الشُعَرَاءْ
ثم هل يبدأُ تاريخٌ جديدٌ للنِسَاءْ.؟
مَنْ سَيَدري...؟
10
إشْرَبي قهوتَكِ الآنَ .. ولا تَسْتَعْجليني..
فأنا أجهل أوقات العصافير ، كما أجهل وقت الياسمين..
فاعذُريني..
فأنا أجهلُ في أيِّ نهارٍ سوف أعْشَقْ..
ومتى يضربني البَرْقُ، وفي أي بحارٍ سوف أغرقْ
وعلى أي شِفَاهٍ سوف أرسُو..
وعلى أي صليبٍ سَأُعلَّقْ..
آهِ.. لو أعرفُ ما يحدثُ في داخل قلبي..
إنَّ أمرَ الحبّ يا سيدتي من علم ربيّ
فاتركي الأمرَ لتقدير السَمَا..
رُبَّما ندخُلُ في مملكة العِشْقِ قريباً..
رُبَّما..

الحبُّ يا حبيبتي..

الحبُّ يا حبيبتي
قصيدةٌ جميلةٌ مكتوبةٌ على القمرْ
الحبُّ مرسومٌ على جميعِ أوراقِ الشجر
الحب منقوشٌ على ريش العصافير
وزخات المطرْ
لكنَّ أيَّ امرأةٍ في وطني
إذا أحبتْ رجلاً
ترمى بخمسينَ حجرْ

إقرأيني


مدخل 1

إقرئيني..
كلّما فتّشتِ في الصحراء عن قطرة ماءْ
إقرأيني..
كلّما سدّوا على العشّاق أبوابَ الرجاءْ
أنا لا أكتبُ حُزْنَ امرأةٍ واحدةٍ
إنني أكتُبُ تاريخَ النساءْ...

مدخل 2

ليس عندي في الحبّ .. حبٌّ أخيرُ

في البدء كان البحرُ،
والبرُّ هو استثناءْ
في البدء كان النَهْدُ،
والسَفْحُ هو استثناءْ
في البدءِ كنتِ أنتِ..
ثم كانتِ النساءْ

مدخل 3

كلُّ أُنثى أُحِبُّ .. أوّلُ أُنثى..
ليس عندي في الحبّ .. حبٌّ أخيرُ

عيدِ ميلادي

مازلتَ تسألُني عن عيدِ ميلادي
سجّلْ لديكَ إذن ما أنتَ تجهلُه
تاريخُ حبِّكَ لي
تاريخُ ميلادي..

أنا عنكِ ما أخبرتهم

أنا عنكِ ما أخبرتهم
لكنهم لمحوكِ
تغتسلينَ في أحداقي
أنا عنكِ ما كلمتهم
لكنهم قرؤوك في حبري وفي أوراقي
للحبِّ رائحةٌ
وليس بوسعها ألا تفوحَ
مزارعَ الدُّراقِ

لن تخلصي مني..

لن تهربي مني ..
فإني رجلٌ مقدرٌ عليكِ
لن تخلُصي مني..
فإنَّ الله قد أرسلني إليك
فمرةً أطلعُ من أرنبتي أذنيك..
ومرة أطلعُ من أساورِ الفيروزِ في يديكِ
وحينَ يأتي الصيف يا حبيبتي
أسبحُ كالأسماكِ
في بحيرةِ عينيكِ..

الإناء..


.. وكنتُ في طفولتي
أظن أن القلبَ كالإناء
تسبح في مياهه الزرقاءِ آلافٌ من النساء
وعندما نضجت يا حبيبتي
واتحدت عناصرُ الأشياء
بحثتُ عن أسماكيَ الخضراء والحمراء
فلم أجد سواكِ يا أميرتي
في ذلك الإناء

أكبر من كل الكلمات نزار قباني


سيّدتي !
عندي في الدفترْ
ترقصُ آلافُ الكلمات
واحدةٌ في ثوبٍ أصفَرْ
واحدةٌ في ثوبٍ أحمَرْ
يحرقُ أطرافَ الصفحاتِ
أنا لستُ وحيداً في الدنيا
عائلتي .. حُزْمةُ أبيات
أنا شاعرُ حُبٍّ جَوَّالٌ
تعرفُهُ كلُّ الشُرُفاتِ
تعرفهُ كلُّ الحُلْوَاتِ
عندي للحبِّ تعابيرٌ
ما مرَّتْ في بال دواة
الشمسُ فتحتُ نوافذَها
و تركتُ هنالكَ مرساتي
و قطعتُ بحاراً .. و بحاراً
أنبشُ أعماقَ الموجاتِ
أبحثُ في جوف الصَدَفاتِ
عن حرفٍ كالقمر الأخضرْ
أهديهِ لعينيْ مولاتي
*
سيِّدتي ! في هذا الدفترْ
تجدينَ ألوفَ الكلمات
الأبيضَ منها و .. و الأحمَرْ
الأزرقَ منها و .. و الأصفَرْ
لكنَّكِ .. يا قمري الأخضَرْ
أحلى من كلِّ الكلماتِ
أكبرُ من كُلِّ الكلماتِ ..

مع جريدة _نزار قباني


أخرجَ من معطفهِ الجريده..
وعلبةَ الثقابِ
ودون أن يلاحظَ اضطرابي..
ودونما اهتمامِ
تناولَ السكَّرَ من أمامي..
ذوَّب في الفنجانِ قطعتين
ذوَّبني.. ذوَّب قطعتين
وبعدَ لحظتين
ودونَ أن يراني
ويعرفَ الشوقَ الذي اعتراني..
تناولَ المعطفَ من أمامي
وغابَ في الزحامِ
مخلَّفاً وراءه.. الجريده
وحيدةً
مثلي أنا.. وحيده

بطاقة عادية في يوم غير عادي!_احلام مستغانمي


اشتقت إليك
تدفعني أفراح الآخرين إليك
اليوم صباح عيد، وأنا أصبحت أخاف الفرح
لأننا نصبح أنانيين عندما نفرح
يجب أن أحزن قليلاً كي أظلّ معك
ثم إنّ الفرح لا يلهمني
وأنا أريد أن أكتب شيئاً على ورق مدرسي
أكره أن أترك كلماتي على البطاقات المستوردة للاعياد
أشكالها الفرحة.. تعمّق حزني.
***
لو كتبت لك بطاقة في بداية هذه السنة لقلت:
"لأنك...
ولأنني...
أتمنى أن..."
وكان لا بدّ أن تملأ أنت الفراغ..
أؤمن أن مهمة الرجل ملء الفراغ
الفراغ الأرضيّ
الفراغ الكونيّ
الفراغ في قلب امرأة
الفراغ في جسمها
***
يحدث أن أمتلئ بك..
يوم حدث هذا وضعت حدّاً للحزن المسالم
وبدأت أجمع صور الشهداء
يوم حدث هذا.. قلت أنك قادر على إمتلاكي
الآن ترحل.
...
كنت رصيف فرح
الآن يجب أن أتعوّد الوقوف على أرصفة أخرى
سأذكرك
تعلّمت معك أن أعود إلى طفولتي
أن أحبّ البسطاء
أن أرتب خريطة هذا الوطن
وأقف في صفّ الفقراء
ديسمبر 1974

رسائل_احلام مستغانمي

إلى الفدائي الذي منحني كلّ الأسماء...
إلا إسمه!
***
من أين عاد وجهك إليّ هذا المساء؟
كيف أطلّ وسط هذا الحزن الخريفي
أكتب إليك وخلف شباكي تبكي السماء. وفي ذاكرتي صور كثيرة لنا في
كل المواسم.
تصوّرت قبل اليوم أنني قد أستقبل الفصول معك.
يبدو أنني سأظلّ أستقبلها وحدي.
لا زلت أجوب شوارع التاريخ
أبحث عن وجهي الضائع الملامح في وجوه السواح والغرباء
في وجوه الثوار والزعماء.
ذاكرتي عشرات الرجال من كل قارات العالم.
جسدي لم تبق عليه مساحة صغيرة لم تتمرغ عليها شفاه رجل.
تغرّبت بعدك كثيراً
في غربتي الكبرى يحدث أن أجمع أحزاني على كفيك وانتظر المعجزة.
يحدث أن أسرق منك قبلة وأنا أسير في المدن البعيدة مع غيرك.
يحدث أن أتسلل معك نحو عنب الخليل.. أن أزحف معك على الأرض الطيبة.
وأسقط إلى جوارك متعبة.
أيمكن لقلبك أن يحملني عندما يجب أن يخف الحمل!
أيمكن أن نحقق هناك كل الأحلام التي لم تكتمل؟
كم كنت حزينة بعدك
ولكن صورتك وحدها سافرت وعادت معي
صورتك وحدها نامت معي في فنادق العالم
وشفتاك وحدهما اللتان أرتعش لهما جسدي
ذات مرة أتاني صوتك من بعيد
كنت سائحة غريبة في بلد غريب
حاولت أن أراك كما أردتك أن تكون
وكانت سماء حيفا ماطرة.. ولم أكن هناك
فحسدتك.
أيلول 1973
***
كبر الحزن أيها الرفيق
في هذه المدينة لا يأتي الصيف أبداً
الرياح لا تفارق السماء
وأنا متعبة
عندما تغلق كل الأبواب
أرتدي أحلى فساتيني وأجلس لأكتب إليك
أيلول 1973
***
تتحدث اليوم آخر الأخبار عن الكيلومتر 101
يتحدّثون طويلاً عن رقم لم يكن في ذاكرة الشهداء
لأن الماء يغلي في درجة المئة وأنا أصبحت أغلي بدرجة المئة وواحد.
سأخلع أحلى فساتيني وأكتب إليك عارية
سعداء أولئك الذين ماتوا وهم يعتقدون أنهم تجاوزوا المئة وواحد ومنحونا
رقماً مطلقاً
سأكتب شيئاً عظيماً هذا المساء
ظروفي تساعد على الجنون
أكتوبر 1973
***
لا زلت أشتري الجريدة كل صباح بحكم العادة
لا زالت القاهرة تتردّد وبغداد ترفض ودمشق تقاوم وعمّان تتفرّج
وبيروت ترقص
ولا زلت أكتب إليك عارية
أكتوبر 1973
***
هذا المساء وأنا أغادر الجامعة، جرّتني مظاهرة طلابية إلى شارع
العربي بن مهيدي.
كنت في حاجة إلى أن أصرخ.. حتى يغمى عليّ
تذكرت أحد الأحلام، تمنيت لو نزل لحظتها مئة مليون عربي إلى
الشوارع، لو زحف ملايين الشباب نحو كراسي الخونة.
لو أنّ القصور العربيّة نُسفت في لحظة واحدة
لو أن التاريخ بدأ من شارع الشهداء
لو مثلهم قلنا (لا)
ولكن.. كنت فقط أهتف مع الشباب
(بالروح .. بالدم.. حنكمل المشوار)
وكنت أبكي
أكتوبر
***
يخال لي أن الحرب انتهت
رغم أن عناوين الجرائد لا تزال تحافظ على حجمها الكبير
ولونها الأحمر
أنا لا أنتظر شيئاً على الاطلاق
نوفمبر
***
أصبح الآن مؤكداً أن الحرب انتهت
لقد تبادلنا الأسرى والموتى والفرح والتعازي والشتائم
والشعارات والتهم..
وكثرت الأوسمة على الصدور
ديسمبر
***
أسأل نفسي هذا الصباح أين يمكن أن تكون..
كلما تذكرت آخر لقاء لنا شعرت بالخوف عليك
أعيد قراءة رسالتك الوحيدة
أتوقف عند الجملة الأولى (أنت مفاجأة جميلة، شعرك الأسود بقدر حقدي
التاريخي يشكّل هالة قدسيّة على ملامحك الأبديّة).
ربما كان هذا أجمل ما قلت لي
وبعدها .. لا شيء
قلت انك تدمن احتساء الصمت والدخان والنبيذ
فهمت أنّك قد لا تكتب إليّ بعد الآن من الجزائر
آخر مرة التقينا فيها كانت رأس السنة الماضية
جلسنا في مقهى نتحدّث عن الحب.. والحرب والزواج..
كنت أحبّك.. وكنت حزينة ككل بداية سنة
تمنيت لو انتميت إليك
كان عمري عشرين سنة
خفت ألا أنتمي لشيء بعدك
كنت تمثل عندي قمة الرفض والثورة، وكان يمكن أن تكون بداية شيء
رائع في حياتي
ولكن خرجنا
كنت تقول: "أنا أيضاً.. أشعر هنا أنني لا أنتمي لشيء لهذا يجب أن
أرحل".
سألتك:
- أيّ الفترات كنت فيها أكثر سعادة؟
قلت:
- عندما كنت أحمل شيئاً آخر غير الجرائد!..
- وماذا صنعت؟
- حاولت أن أهب هوية للأطفال الذين ولدوا غرباء عن العالم.
وخرجنا.
التقينا بصديق أخبرنا أنّ أحدهم قد انتحر بالأمس.
عمّ الصمت.
كان المنتحر رسّاماً مغربياً حاول أن يوقّع على لوحة حياته توقيعاً حزيناً،
فانتحر.
كان طيباً.
ما كانت له من هواية عدا التنفّس.
كانوا يعرفون خطورة التنفس عندما يبدأ هواية ويتحول فجأة إلى مبدأ.
كانوا يعرفون ذلك، فألقوا بالغازات السامة، ملأوا بها سماء البلد الطيب
وهاجر الفنان يبحث عن أوكسجين.
جاءنا.. ولكنه ما استطاع الحياة بعيداً عن السماء الأولى.
فقد اكتشف فجأة أنه نسي رئتيه هناك
فانتحر.
كان الناس يمرون أمامي مسرعين
بعضهم يجوب الشوارع بلا هدف. وكنت أسير بينهم.
أبحث في ملامحهم عن شيء، ربما عن ملامح الشاب المغربي.
تساءلت وأنا أراهم: أيستحق هؤلاء أن يموت أحد من أجل قضاياهم؟!
مات الفنان! (فتاة ببنطلون ضيّق تنتظر قادماً لا يأتي)
أحقاً مات! (عجوز تسأل بائع الخضر.. إذا كانت أزمة البصل قد
حلّت).
قلت ذلك لصديق، فأجابني: يجب أن نحلّ قضايا الجماهير أولاً. أن
نجعلها تشبع، تحتمي بسقف، وتلبس، وتحلم. وعندها فقط يصبح بإمكانها
أن تفكر في القضايا الكبرى.
لا يمكن أن تسألي إنساناً يكاد يغطيه الطوفان:
لماذا لا يحتمي بمظلّة عند سقوط المطر؟ لنخرجه أولاً من الطوفان!
عدت إلى الجامعة وأنا أحاول أن أتخيّل كميّة المياه الهائلة التي تغرقنا
يومياً.
قلت لي قبل أن نفترق "اليوم أصبح كل أصدقائي بين شهداء ومساجين
ومنتحرين، وحدي رفضتني السجون وكلما كان لي موعد مع الموت لم
يحضر".
سألتني فجأة..
- أتحبين الموت؟
قلت:
- لا أعتقد.. لكنني لا أخافه
علّقتَ:
- لن تكوني فدائية حتى تحبينه
وافترقنا.
مرّ عام على ذلك اللقاء. ذلك الفراق.
ولا زلت أسأل عنك الرفاق. ربما لأقول لك فقط، أنني بدأت أحبّه.
لا زالت صديقاتي في الجامعة يسألنني عنك
قلت لاحداهن، أنك فدائي ولم تحضر إلى الجزائر كي تقيم بيننا.
ضحكت، لأنّها لم تتصوّر فدائياً في وسامتك. ربّما لم تصدقني.
أظنّها تأثّرت بـ (جمهورية) أفلاطون.. فهي ترى أنّ الحرب خلقت
لتخلّص البشرية من القبيحين والمرضى وضعاف البنيّة.
نجحت في إقناعها بأنّ شي غيفارا أيضاً كان وسيماً، وأنّه لو عمل في
السينما لحطم أسطورة عمر الشريف.
وأنّ ليلى خالد لم تكن أقلّ جاذبية من جورجينا رزق.
ولكنها قامت بثلاث عمليّات لتشويه وجهها، كي تتمكن من مواصلة
مهمتا، أي شجاعة هذه!.. لا أذكر أن امرأة عبر التاريخ شوّهت وجهها
قصداً، كي تخدم قضيّة. لا جان دارك ولا جميلة ولا أنجيلا، غير أنني
أذكر مبالغ خيالية كانت تدفعها ماري أنطوانيت من أجل ثوب سهرة
جديد. وأرقاماً أكثر جنوناً تدفعها مدام أوناسيس أرملة كينيدي سابقاً
وأرملة أوناسيس حديثاً كي تظل أنيقة وتبقى بشرتها ناعمة ويبدو فمها
أقل إتساعاً. ومبالغ أخرى لا تقل جنوناً تدفعها أميرات عربيات وزوجات
حكّام من أجل حفنة لؤلؤ نادر أو قارورة عطرٍ فريد.
ألا ترى أنّه أصبح ضروري أن أحبّ الموت!

مواسم لاعلاقة لها بالفصول_احلام مستغانمي

هُنالك مواسم للبكاء الذي لا دموع له ..
هُنالك مواسم للكلام الذي لا صوت له ..
هُنالك مواسم للحزن الذي لا مبرر له ..
هُناك مواسم للمفكرات الفارغة ..
والأيام المتشابهة البيضاء ..
هُنالك أسابيع للترقب وليالٍ للأرق ..
وساعات طويلة للضجر ..
هُنالك مواسم للحماقات .. وأخرى للندم ..
ومواسم للعشق .. وأخرى للألم ..
هُنالك مواسم .. لاعلاقة لها بالفصول ..
**
**
هُنالك مواسم للرسائل التي لن تُكتب ..
للهاتف الذي لا يدق ..
للاعترافات التي لن تقال ..
للعمر الذي لا بد أن ننفقه في لحظة رهان ..
هُنالك رهان نلعب فيه قلبنا على طاولة القمار ..
هُنالك لاعبون رائعون يمارسون الخسارة بتفوق ..
**
**
هُنالك بدايات السنة أشبه بالنهايات ..
هُنالك نهايات أسبوع أطول من كل الأسابيع ..
هُنالك صباحات رمادية لأيام لا علاقة لها بالخريف ..
هُنالك عواصف عشقيه لا تترك لنا من جوار
وذاكرة مفروشة لا تصلح للإيجار ..
**
**
هُنالك قطارات ستسافر من دوننا ..
وطائرات لن تأخذنا أبعد من أنفسنا ..
هُنالك في أعماقنا ركن لا يتوقف فيه المطر ..
هُنالك أمطار لا تسقي سوى الدفاتر..
هُنالك قصائد لن يوقعها الشعراء ..
هُنالك ملهمون يوقعون حياة شاعر ..
هُنالك كتابات أروع من كاتبها ..
هُنالك قصص حب أجمل من أصحابها ..
هُنالك عشاق أخطئوا طريقهم للحب ..
هُنالك حب أخطأ في اختيار عشاقه ..
**
**
هُنالك زمن لم يخلق للعشق ..
هُنالك عُشاق لم يخلقوا لهذا الزمن ..
هُنالك حُب خلق للبقاء ..
هُنالك حُب لا يبقي على شيء ..
هُنالك حُب في شراسة الكراهية ..
هُنالك كراهية لا يضاهيها حب ..
هُنالك نسيان أكثر حضوراً من الذاكرة ..
هُنالك كذب أصدق من الصدق ..
**
**
هُنالك أنا
هُنالك أنت
هُنالك مواعيد وهمية أكثر متعة من كل المواعيد..
هُنالك مشاريع حب أجمل من قصة حب ..
هُنالك فراق أشهى من ألف لقاء ..
هُنالك خلافات أجمل من أي صلح ..
هُنالك لحظات تمر عمراً ..
هُنالك عمر يحتضر في لحظة ..
هُنالك أنا .. وهنالك أنت ..
هُنالك دائماً مستحيل ما يولد مع كل حب

حكاية_احلام مستغانمي


كقطة طيّبة أجلس قرب النار
أسمع ما تقصّه الجدّة للصغار
عن فارس أوقع في غرامه الأميرة
وجاءها في ليلة..
واختفت الأميرة
من يومها تعوّدت أن تطهو الطعام
تعوّدت أن تسكن المدائن الحقيرة
وتجمع الأحطاب في الشتاء
من يومها
تخلّت الأميرة الصغيرة
عن كلّ كبرياء
لفارس علّمها الحياة كامرأة
...
وألف قصّة
ويرقد الصغار
لكنني أعود من جديد
أحلم بالمدائن البعيدة
بالدار.. بالأحطاب.. بالأطفال
بامرأة تسهر في انتظار
فارسها الوحيد

مذكّرات_احلام مستغانمي


المذكّرة الأولى:
...
قال لي يوماً صديق
"قد تأكّدت أخيراً دون رَيبةْ
أن ما من شاعر يولد إلا
يوم مأساة غرام.. بعد خيبةْ"
وتوقفت أمام القول حيرى
أصحيحاً صار عمري اليوم عام؟
***
المذكّرة الثانية:
...
اليوم في حقيبتي مجموعة البريد
رسائل أزهو بها
بلونها، بخطّها، بنوعها الفريد
فواحد بنيّة المراسلة
وواحد يهوى هنا المغازلة
وثالث يحتال كي يراني
لأنّه من همستي أصبح لا ينام!!
***
المذكّرة الثالثة:
...
وساءلني "القمر الأحمر"
تراه يعود
وردّدت الطير عند الغروب
بأنّ هزار الربوع اختفى
***
المذكّرة الرابعة:
...
الريح والثلوج والأمطار
تعرّت الأشجار
واختفت الطيور والأطغال
لكنني سآتي يا حبيبتي
فحبك معطفي الوحيد
***
المذكّرة الخامسة:
...
قُتلت مرتين
هناك في المغاره
لأنني رفضت أن أموت كلّ يوم
في عشّ عنكبوت
***
المذكّرة السادسة:
...
"الكل أقسم أن ينام"
يا أنت يا مدن المدافن قد سئت من النيام
فأنا أجوب بحيرتي كالطيف حي الميّتين
وإلى متى
سأظلّ أبحث في انتظار
وجه يطل من النيام

حتى أنت_احلام مستغانمي


وتبقى تناشدني كي أبوح
لماذا بعينيّ يغفو الوجود
وذاك الشرود
تراه ارتعاشة حبّ كبير؟
وينتحر اللحن في أضلعي
وأبكي
وتبكي القوافي معي
وأبقى أمامك دون دموع
أفتشُّ عن فارس ليس يأتي
...
ويعصف بي الصمت في شفتيك
وذاك البرود
يمزّق أعصابي المنهكة
فيا أسفي يا صديقي الأخير
ظللت بعيداً عن المعركة
ولم تغف يوماً بجفن الضياع
ولم تغتسل مرّة يا صيديقي
بطوفان نوح
فماذا عساي أبوح؟

هودج الوعد الذي قد يحملُك_احلام مستغانمي

مُفرطاً في الحُسنِ تمشي
نعلُكَ قلبي
كأنْ لا قلب لكْ
فتنةٌ بكَ تشي
كلُّ مَن صادف عينيكَ
هَلَكْ
**
يا لحُسنك
حرِّضَ الحُزنَ عليّ
كمْ نساءٌ
فاتهنَّ غبارُ خيلكْ
مِتنَ من قبل بُلوغ شفتيكْ
**
كيف لي
أن أكون غِمداً لسيفكَ
هودج الوعد الذي
قد يحملُكْ
فرساً تصهل في مربط قلبِكْ
أنثى ريح الركبِ
أنَّـى وجهتُكْ
**
قل يا رجل
إلى أيَّة غيمةٍ
تنتمي شفتاكْ
كي أُسافِر في حقائب مطرك
وأحطَّ
حيثُ تهطُلْ
**
مُقبل أنتَ
وعمري مُدبرٌ
طاعنٌ في الوهم قلبي
قبلك ما عشق

مدهش الحبّ _احلام مستغانمي

مدهش الحبّ. يأتي دائماً بغتة، في المكان واللحظة اللذين نتوقعهما الأقل، حتى إنّنا قلّما نستقبله في هيأة تليق به.
وأصدّق تمامًا مصممة الأزياء "شانيل" التي كانت تنصح المرأة بأن تغادر كلّ يوم بيتها وهي في كل أناقتها، و كأنها ستلتقي ذلك اليوم بالرجل الذي سيغير حياتها، لأنّ ذلك سيحدث حتما في يوم تكون قد أهملت فيه هيأتها!
أهو الحب؟ كلمة منه فقط، وإذا بي امرأة لا تشبه الأخرى.
تلك التي غادرت البيت بثوب عاديّ.. بأظافر غير مطلية.. و ملامح مرهقة.أعود إلى البيت أجمل، وإذا بالحياة أيضًا جميلة وشهية.والأجمل أنها مدهشة دائمًا.
في كلّ منعطف لشارع يمكن لحياتك أن تتغير. يمكن أن يقع لك حادث، ويمكن أيضًا أن تلتقي برجل يحدث فيك زلزالاً جميلاً!ـ
***
مقتطف من رواية " فوضى الحواس" ـ

على مشجب انتظارك_أحلام مستغانمي


حين تغضب
تعلق ضحكتك على المشجب
تترك للهاتف مكر صمتك..
وتنسحب
وتغتالني في غيبتك أسئلتي
أبحث في جيوب معطفك
عن مفاتيح لوعتي
أود أن أعرف.. أتفكر فيَ؟
أيحدث ولو لغفوة
أن تلامسني أحلامك قبل النوم؟
أن تبكيني ليلا وسادتك؟
***
حين.. أمام حماقاتي الصغيرة
تفقد كلماتك أناقتها
ويخلع وجهك ضحكته
لا أدري عن أي ذنب أعتذر
وكيف في جمل قصيرة
أرتب حقائب الكذب
أمام رجل لا يتعب
من شمشمة الكلمات
***
..على صحوة غيرتك تأتي
بثقة غجري اعتاد سرقة
الخيول
أراك تسرق فرحتي
تطفئ أعقاب سجائرك
على جسد الأمنيات
تحرق خلفك كل الحقول
وتمضي
تاركاً بيننا جثة الصمت
***
حين يستجوبني حبك
على كرسي الشكوك
عنوة يطالبني بالمثول
يأخذ مني اعترافاً بجرائم لم
أرتكبها
كمحقق لا يثق في ما أقول. .
يفتش في حقيبة قلبي عن رجل
يقلب دفاتر هواتفي. .
يتجسس على صمتي بين الجُمل
ماذا أفعل؟
أنا التي أعرف تاريخ إرهابك العاطفي
أأهرب؟
أم أنتظر؟
***
أنت الذي بمنتهى الإجرام..
منتهى الأدب
تغير أرقام قلبك
إثر انقطاع هاتفي
كما تغير الزواحف جلودها
كما تغير امرأة جواربها
عسى تجن امرأة بك.. أو تنتحر
***
منذ الأزل
تموت النساء عند باب قلبك
في ظروف غامضة
فبجثثهن تختبر فحولتك
وبها تسدد أحزانك الباهظة

حان لهذا القلب أن ينسحب _ أحلام مستغانمي


أخذنا موعداً
في حيّ نتعرّف عليه لأوّل مرّة
جلسنا حول طاولة مستطيلة
لأوّل مرّة
ألقينا نظرة على قائمة الأطباق
ونظرة على قائمة المشروبات
ودون أن نُلقي نظرة على بعضنا
طلبنا بدل الشاي شيئاً من النسيان
وكطبق أساسي كثيراً من الكذب.
...
وضعنا قليلاً من الثلج في كأس حُبنا
وضعنا قليلاً من التهذيب في كلماتنا
وضعنا جنوننا في جيوبنا
وشوقنا في حقيبة يدنا
لبسنا البدلة التي ليست لها ذكرى
وعلّقنا الماضي مع معطفنا على المشجب
فمرَّ الحبُّ بمحاذاتنا من دون أن يتعرّف علينا
...
تحدثنا في الأشياء التي لا تعنينا
تحدّثنا كثيراً في كل شيء وفي اللاّشيء
تناقشنا في السياسة والأدب
وفي الحرّية والدِّين.. وفي الأنظمة العربيّة
اختلفنا في أُمور لا تعنينا
ثمّ اتفقنا على أمور لا تعنينا
فهل كان مهماً أن نتفق على كلِّ شيء
نحنُ الذين لم نتناقش قبل اليوم في شيء
يوم كان الحبُّ مَذهَبَنَا الوحيد الْمُشترك؟
...
اختلفنا بتطرُّف
لنُثبت أننا لم نعد نسخة طبق الأصل
عن بعضنا
تناقشنا بصوتٍ عالٍ
حتى نُغطِّي على صمت قلبنا
الذي عوّدناه على الهَمْس
نظرنا إلى ساعتنا كثيراً
نسينا أنْ ننظر إلى بعضنا بعض الشيء
اعتذرنـــــا
لأننا أخذنا من وقت بعضنا الكثير
ثـمَّ عُدنــا وجاملنا بعضنا البعض
بوقت إضافيٍّ للكذب.
...
لم نعد واحداً.. صرنا اثنين
على طرف طاولة مستطيلة كنّا مُتقابلين
عندما استدار الجرح
أصبحنا نتجنّب الطاولات المستديرة.
"الحبُّ أن يتجاور اثنان لينظرا في الاتجاه نفسه
.. لا أن يتقابلا لينظرا إلى بعضها البعض"
...
تسرد عليّ همومك الواحد تلو الآخر
أفهم أنني ما عدتُ همّك الأوّل
أُحدّثك عن مشاريعي
تفهم أنّك غادرت مُفكّرتي
تقول إنك ذهبت إلى ذلك المطعم الذي..
لا أسألك مع مَن
أقول إنني سأُسافر قريباً
لا تسألني إلى أين
...
فليكـــن..
كان الحبّ غائباً عن عشائنا الأخير
نــــاب عنــه الكـــذب
تحوّل إلى نــادل يُلبِّي طلباتنا على عَجَل
كي نُغادر المكان بعطب أقل
في ذلك المساء
كانت وجبة الحبّ باردة مثل حسائنا
مالحة كمذاق دمعنا
والذكرى كانت مشروباً مُحرّماً
نرتشفه بين الحين والآخر.. خطأً
...
عندما تُرفع طاولة الحبّ
كم يبدو الجلوس أمامها أمراً سخيفاً
وكم يبدو العشّاق أغبياء
فلِمَ البقاء
كثير علينا كل هذا الكَذب
ارفع طاولتك أيّها الحبّ حان لهذا القلب أن ينسحب

لفرط ما كتبتني _أحلام مستغانمي

كتبتني
باليد التي أزهرت في ربيعك
بالقُبلات التي كنتَ صيفها
بالورق اليابس الذي بعثره خريفك
بالثلج الذي
صوبَكَ سرتُ على ناره حافية
...
بالأثواب التي تنتظر مواعيدها
بالمواعيد التي تنتظر عشّاقها
بالعشّاق الذين أضاعوا حقائب الصبر
بالطائرات التي لا توقيت لإقلاعها
بالمطارات التي كنتَ أبجديّة بواباتها
بالبوابات التي تُفضي جميعها إليك
...
بوحشة الأعياد كتبتني
بشرائط الهدايا
بشوق الأرصفة لخطانا
بلهفة تذاكر السفر
بثقل حقائب الأمل
بمباهج صباحات الفنادق
بحميميّة عشاء في بيتنا
بلهفة مفتاح
بصبر طاولة
بتواطؤ أريكة
بطمأنينة ليلٍ يحرس غفوة قَدَرِنا
بشهقة باب ينغلق على فرحتنا
...
كتبتني.. بمقصلة صمتك
بالدُّموع الْمُنهمِرة على قرميد بيتك
بأزهار الانتظار التي ذَوَت في بستان صبري
بمعول شكوكك.. بمنجل غيرتك
بالسنابل التي
تناثرت حبّاتها في زوابع خلافاتنا
بأوراق الورد التي تطايرت من مزهرياتنا
بشراسة القُبَل التي تفضُّ اشتباكاتنا
...
بِمَا أخذتَ.. بِمَا لم تأخُذ
بِمَا تركتَ لي من عمرٍ لأخذِهِ
بِمَا وهبتَ.. بما نهبتَ
بِمَا نسيتَ.. بِمَا لم أنسَ
بِمَا نسيتُ..
بِمَا مازال في نسياني يُذكِّرني بكَ
بِمَا أعطيتك ولم تأبه
بِمَا أعطيتني فقتلتني
بِمَا شئت به قتلي
فمتَّ بــه!